فهرس الكتاب
ومن البيّن أن هذا المعنى للصياغة، كما نقصده في هذا البحث، يختلف عما قد يتبادر إلى الذهن من معنى العرض المرتب للأحكام الشرعية، بعد استنباطها من مصادرها، في نسق فقهي منضبط بقواعد العرض المدرسي، مثلما هو معهود في مدونات الفقه الإسلامي المعروفة؛ فالصياغة التي نعنيها هي تهيئة الأحكام الشرعية، لتطبيقها على الواقع، فتتحول من إرشادات كلية عامة، إلى مشاريع مصوغة صياغة عملية لتنزل على الواقع، وتصبح الحلقة الواصلة بين الحكم الشرعي العام، بما هي متأسسة على حقيقته، وبين الواقع الجاري، بما هي مراعية لخصائص التشخّص فيه. ويمكن أن نزيد هذا المعنى توضيحًا بالمثالين التاليين.
المثال الأول، العمل الذي يقوم به المهندس المعماري، حينما يصمم مثالًا لعمارة ما، فإن تصميمه ينبني من جهة على الحقائق النظرية العامة لعلم العمارة، ويستجيب من جهة أخرى للخصائص الواقعية للعمارة المطلوب تصميمها، مثل طبيعة الأرض التي ستقام عليها، وطبيعة المناخ الذي ستنشأ فيه، وبذلك يجيء التصميم يمثل صياغة لأحكام علم العمارة المجردة، بما يناسب العناصر التشخيصية، لعين العمارة المطلوب إنشاؤها، فهذه الصياغة المتمثلة في تصميم المهندس تشبه الصياغة الفقهية، التي نحن بصدد شرحها في انبنائها على أحكام الدين المجردة من جهة، ومراعاتها لظروف الواقع من جهة أخرى.