الصفحة 159 من 233

والمثال الثاني، عمل الصيدلاني صانع الأدوية، حينما يصنع دواء لمرض من الأمراض، فإن صنعه لذلك الدواء ينبني من جهة على القواعد الطبية العامة، التي تصف أدوية معينة لأمراض معينة بصفة تجريدية، ولكنه يخضع من جهة أخرى للحالات العينية للمرضى، فيكون في شكله سيولة وصلابة، وفي طعمه حلاوة ومرارةً، وفي كثافته ثقلًا وخفة، متناسبًا مع تلك الحالات ا لعينية للمرضى، وبذلك يجيء ذلك الصنع يمثل صياغة لقوانين الطب المجردة، بما يستجيب للعناصر المشخصة للأمراض، بحسب حالات المرضى، فيما يشبه الصياغة الفقهية، التي نروم شرحها، واصلةً بين أحكام الدين المجردة وبين الوقائع الجارية.

وعندما نرجع إلى التراث الفقهي الإسلامي، نستجلي مصداق هذه الصياغة التي نعنيها فيه، فإننا نلفاها واضحة في فقه الأئمة المجتهدين في العصر الذهبي الأول للفقه الإسلامي، حينما كان فقهًا اجتهاديًا واقعيًا حيًا، فهؤلاء الأئمة رغم أنهم كانت مطروحة عليهم بأولوية وإلحاح مهمة تقنين الأحكام الدينية، باستخلاصها من أصول الوحي، فإنهم كانوا يقومون بالإضافة إلى ذلك في ذات الوقت بمهمة صياغة الأحكام، بما يعالج مجريات الوقائع، في البيئات التي كانوا يعيشون فيها، وتبدّى ذلك في بعض لأصول الواقعية، التي وضعوها قواعد للاجتها، مثل أصول المصالح المرسلة، والاستحسان، والعرف، وعمل أهل المدينة، وما شابهها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت