الصفحة 160 من 233

ومن المظاهر الدالة على الاجتهاد في الصياغة تعدد المذاهب الفقهية، بين الأئمة المجتهدين، فإن أحد أهم أسباب هذا الاختلاف بين المذاهب اختلاف الظروف البيئية، التي نبتت فيها، فكان مذهب الإمام مالك بالمدينة، ومذهب الإمام أبي حنيفة بالعراق، ومذهب الإمام الأوزاعي بالشام، بل إن الإمام الشافعي كان له مذهب بالعراق، فلما انتقل إلى مصر عالجه بالتعدين، فأصبحت له أقوال جديدة، أوشكت أن تصبح مذهبًا جديدًا، فهذا الاختلاف بين المذاهب، بل بين أقوال الإمام الواحد بتغير البيئة يشير إلى أن الأئمة المجتهدين كان نظرهم الاجتهادي يتجه إلى تقرير الأحكام الشرعية المجردة من أصول الوحي، كما يتجه إلى صياغتها بما يلائم الظروف الواقعية للبيئات، التي يعيشون فيها، لتكون لها علاجًا بحسب خصوصياتها.

وربما كان الاجتهاد في الصياغة أبين في فقه الفتاوى، منه في فقه الأحكام، فهذا الفقه عند الأئمة المجتهدين خاصة يمثل قمة الاجتهاد في الصياغة، بما هو تنزيل للحكم الشرعي المجرد على نوازل عينية مشخصة، تنزيلا يُصاغ فيه من تلك الأحكام ما يعالج تلك النوازل العينية، فيتحقق التدين المطلوب.

ومما تقدم يبدو الفرق بيّنًا، بين العمل الذي يقوم به المجتهد في فهم الأحكام من أصولها، وتقريرها في صورتها المجردة، وبين العمل الذي يقوم به في صياغتها، تهيئة لتطبيقها على أوضاع واقعية معينة، فالأول يقع التعامل فيه مع الأصول وحدها، مع اعتبار القاسم المشترك لواقع الحياة الإنسانية، في ثباته عبر الزمان والمكان، وأما الثاني فإنه يقع التعامل فيه مع الأحكام المقررة من جهة، ومع حيثيات الواقع المشخّص من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت