فهرس الكتاب
وهذا الاختلاف في طبيعة العمل الاجتهادي، بين الفهم، وبين الصياغة، يستلزم اختلافًا في الأدب المنهجي ، الذي يتطلبه كل منهما ليصل إلى غايته، التي هي تقرير الأحكام الدينية ا لمجردة بالنسبة للأول، وصياغة حلول واقعية من تلك الأحكام، تنزل على الوقائع المشخصة، بالنسبة للثاني، فكما أن فهم الأحكام من أصولها يتم بقواعد وقوانين، يتشكل من مجموعها ما يمكن أن يسمى بفقه الفهم، فإن صياغتها للتنزيل تتم بقواعد وقوانين، يتشكل من مجموعها ما يمكن أن يسمى بفقه الصياغة.
ونحسب أن التراث الفقهي الإسلامي، المتأخر منه خصوصًا، كانت عنايته بفقه الفهم، أكثر بكثير من عنايته بفقه الصياغة، وذلك سواء بالنسبة للشق التطبيقي في هذا التراث وهو الفقه، أو الشق التنظيري فيه وهو أصول الفقه.
أما الفقه فإنه بعد عهدٍ من الحيوية والواقعية على يد الأئمة المجتهدين، آل أمره إلى شيء من الجمود، الذي تضخم فيه الجانب التقريري للأحكام المجردة، وضمرت فيه إلى حد بعيد الصلة بالواقع المعاش في ملابساته العينية، فلم يكتب لتلك الصياغة الواقعية، التي انتهجها الأئمة المؤسسون للمذاهب، أن تأخذ مداها التاريخي، الكفيل فإنضاجها وتميزها، كما كان الأمر بالنسبة للتقرير المجرد، الذي استمر منهجًا للفقه، طيلة القرون اللاحقة، وكذلك فإن فقه الفتاوى وهو الذي تتجلى فيه الصياغة بوضوح أكثر كما ذكرناه، لم يلق من العناية ما لقيه الفقه التقريري المجرد، فظلت الفتاوى تنحو منحى ا لفردية في موضوعاتها، فتعالج النوازل ا لشخصية، أكثر مما تعالج الأوضاع الاجتماعية العامة، بل حتى في منحاها ذلك كثيرًا ما طالها الإهمال والنسيان، فأين اليوم المدونات الفقهية المجردة في العناية بها بحثًا وإحياء وتداولًا من مدونات فقه الفتاوى؟