فهرس الكتاب
وأما أصول الفقه فقد توجهت العناية فيه إلى استنباط الأحكام من أدلتها، كما يشير إلى ذلك تعريفه، الذي اشتهر بين الأصوليين، وهو أنه"القواعد التي يُوصِّل البحث فيها إلى استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، أو هو علم بهذا القواعد". (3) وهذا التعريف لا يتضمن القواعد التي بها يكون تنزيل الأحكام على الواقع، وهو يعكس حاصل ما انتهى إليه علم أصول ا لفقه بصفة عامة، حيث نجد الأبواب ا لتي أشبعت بحثًا، هي تلك التي تخص الاستنباط، وأما ما كان يمكن أن يدفع إلى إنضاج فقه الصياغة، فقد كان البحث فيه خفيفًا، مثل الاستحسان، والمصلحة المرسلة، والعرف، بل كانت هذه محل إنكار من قبل كثير من الأصوليين، وقد كان يمكن لمبحث المقاصد من مباحث أصول الفقه أن يقوم بدور مهم في فقه الصياغة، ولكن هذا المبحث آل إلى ضمور شديد بعد الإمام الشاطبي (ت 790هـ) حتى كان ينقرض من كتب أصول الفقه، بل إن ما كتبه الشاطبي نفسه في كتابه الموافقات يكاد يكون طفرة بالنسبة لما قبله، كما هو بالنسبة لما بعده.
ونحسب أن من أهم الأسباب في تعثر النهضة التشريعية في العالم الإسلامي اليوم، والقصور الظاهر في تغطية مستجدات النوازل في حياة المسلمين - وهي تكاد تأتي على حياتهم كلها - بحلول مصوغة من أحكام الدين، نحسب أن من أهم أسباب ذلك افتقار التراث الفقهي المتأخر إلى أدب منهجي، في صياغة الأحكام صياغة واقعية، يساعد القيمين على التشريع، على أن يشتقوا من أحكام الدين مشاريع عملية تكون بديلًا لما هو سائد من أوضاع، قائمة في كثير منها على التشريع الوضعي الوافد.