الصفحة 163 من 233

وتعاني حركات الدعوة الإسلامية اليوم هذا المشكل نفسه، في تبشيرها بالمشروع الإسلامي الشامل، فهي إذ تبشر بهذا المشروع على مستوى عقدي عام، تقصُر عن أن ترتقي بهذا التبشير إلى مستوى فقهي، تقدم فيه البديل الإسلامي، في الثقافة، والاجتماع، والاقتصاد، وغيرها من المجالات، والحال أنها تواجه في ساحة الدعوة مشاريع علمانية، ويسارية، مكينة في الواقع، قوية في أبعادها العملية، ويبدو أن من أهم أسباب هذا القصور في الدعوة الإسلامية الافتقار إلى مرجعية منهجية، في اشتقاق المشاريع العملية المناسبة للأوضاع الراهنة، من الهدي الديني، المتمثل في الأحكام العامة المجردة.

ولما كان من أكبر التحديات التي تواجهها الدعوة الإسلامية اليوم - على ما نراه - هو تحدّي ا لمشروع الإسلامي العملي، فإن الضرورة ملحة في سبيل التقدم في صياغة هذا المشروع، والتبشير به، لأن تتوفر مرجعية منهجية تساعد على ذلك، وهذه المرجعية المنهجية هي التي عنيناها في هذا الباب بفقه الصياغة، وعلى الرغم من أن التراث الفقهي والأصولي لم يعتن كبير عناية بهذا اللون من الفقه، إلا أن الناظر فيه بعين واعية لهذا الغرض لا يعدم ظفرًا بمادة صالحة في هذا الباب، وإن تكن في الغالب ضمنية ومتفرقة، غير مرتبة ولا معروضة عرضًا تقريريًّا مباشرًا.

وسنحاول فيما يلي لفت الانتباه إلى بعض القضايا المتعلقة بفقه الصياغة، استخلاصًا من التراث الفقهي والأصولي، ومحاولة لتوجيهها وجهة الغرض الذي نرومه في هذا البحث، عسى أن يكون في ذلك إسهام في توجيه أنظار الباحثين الإسلاميين المختصين لإثراء هذا الباب البالغ الأهمية، في تنزيل الإسلام على واقع الحياة، ضمن مشروع عملي، يغطي مختلف جوانب تلك الحياة، التي تحكمها اليوم مشروعات وضعية، تبتعد في أغلبها عن الهدي الديني.

2-مبدأ الواقعية في صياغة الشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت