فهرس الكتاب
نقصد بالواقعية نظم الأحكام الدينية نظمًا يتكون منه نسقٌ مخصوص، يُقدّر لمعالجة وضع واقعي من أوضاع المسلمين، فتراعى فيه خصوصياته وملابساته، بحيث يكون ذلك النسق منصبًّا على ذلك الوضع بذاته، يقوّم وجهته وفق هدي الدين، هوهو بذلك يشبه أن يكون فتوى في شكل موسع، متعدد العناصر، تتعلق بواقع معين، وتبني بحسبه، وقد لا تصبح صالحة إذا ما تغيرت معطيات ذلك الواقع وأسبابه.
ويظهر مفهوم الواقعية هذا بيّنًا إذا ما قورن بضده متمثلًا في العمل على معالجة وضع واقعي من الأوضاع، باقتطاع جملة من الأحكام المتعلقة به، من سياقها المجرد، المقرر في المدونات الفقهية، أو استحضار فتاوى في نوازل قديمة مشابهة، ثم الاكتفاء بذلك النسق في أحكامه المجردة، أو فتاواه القديمة، ليقدم علاجًا للوضع الواقعي، إن هذا العمل في معالجة الواقع، لا يتصف بالواقعية بل هو"اجتهاد"يقفز على الواقع، ويفصل بينه وبين أحكام الدين، وقد كان هذا أسلوبًا رائجًا في عهد الجمود الفقهي، وهو الجمود الذي ورثته أجيال اليوم، ولا تزال محكومة بالكثير من آثاره.
ولا يتحقق مبدأ الواقعية، إلا بجملة من الإجراءات، يرجع بعضها إلى التعامل مع الواقع المراد ترقية التدين فيه، ويرجع بعضها الآخر إلى التعامل مع الأحكام نفسها، المراد صياغتها صياغة واقعية.
(أ ) تمثل الواقع:
ونعني به الاستيعاب المعرفي الشامل والمفصل للصورة الواقعية من الحياة، التي يراد معالجتها بالهدي الديني، ولا يتم هذا الاستيعاب إلا بالكشف عن حقيقة تلك الصورة، في عناصرها الظاهرة والخفية، وفي علاقتها بالصور الأخرى، التي لها بها علاقة، وفي أبعادها الفردية والاجتماعية والدولية، وفي مظاهر الخلل، التي تتأتى الأضرار منها، فتفوت مصالح الأفراد والجماعة، وكل ذلك يراعى فيه عناصر التشخيص التي تتعلق بالظرف المكاني والزماني للصورة المدروسة بعيدًا عن التعميم، الذي لا يقوم على أساس من ا لاشتراك في تلك العناصر.