الصفحة 165 من 233

وعند ما يتعلق الأمر بواقع المسلمين اليوم من حيث يراد صياغة منظومة أحكام ترتقي بتدينه إلى الدرجة الأفضل، فإنه يكون من المطلوب تقسيم هذا الواقع إلى صور متعددة، تتنوع بحسب تنوع مجالات الحياة من جهة، وبحسب تنوع البيئات من جهة أخرى، تم تدرس كل صورة من الوجوه التي ذكرناها آنفًا، باستعمال الآلات التي بيّنّاها في الباب السابق. فإذا بالصورة الاقتصادية من واقع المسلمين على سبيل المثال جلية للمجتهد في دقائق خيوطها، ومتشابك أسبابها، ومختلف علاقاتها بالصورة الاجتماعية والسياسية والثقافية، وفي الإخلال الطارئة عليها مسببة الإضرار بالناس أفرادًا أو فئات، وعيًا في ذلك كله بما هو مشترك في الصورة الكبرى لواقع المسلمين، وبين ما قد يكون خاصًّا بجزء من تلك الصورة دون آخر، بحسب اختلاف البيئات.

وبهذا الاعتبار، فإنه من البيّن، أنه لا يجدي نفعًا ما يسلكه بعض العاملين للإسلام، ف مضمار اقتراحات يقدمونها لإصلاح الواقع الإسلامي، ينطلقون فيها من تصورات غائمة لهذا الواقع، محكومة بنظرة جملية تُلمّح إلى مظاهر الخلل، فتبني منها تقويمًا يكون أميل إلى المعيارية، منه إلى الوصفية الكاشفة، فتغلب بذلك نزعة الرفض والإلغاء، ولا يكون للفهم الموضوعي إلاّ حظّ ضئيل، وقد لا يكون له حظّ في كثير من الأحيان؛ ذلك لأن هذا الحكم الجملي المعياري على الواقع لا يمكِّن من صياغة العلاج المناسب له في خصوصياته الشخصية، وإنما هو يضطر إلى اقتطاع جملة من الأحكام الشرعية في صيغتها المجرّدة، التي تستهدف الوقائع الإنسانية المطلقة، فلا يكون ذلك المجرد العام صالحًا لعلاج المشخص المخصوص، وكثير من مآلات الفشل، التي تبوء بها حركات الإصلاح الديني، ترجع إلى هذا السبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت