فهرس الكتاب
إنّ واقع المسلمين هما شطّ به الانحراف في مجال من مجالاته، أو في أكثر من مجال، فإنه لا يخرج عن أن يكون واقعًا تختلط فيه عناصر من الباطل، بعناصر من الحق، تبقى مستصحبة في ضمير الأمة، وفي جوانب من حياتها، وذلك أحد معاني الوعد النبوي، بأن هذه الأمة لا تجتمع على الضلال. (4) وعلى هذا الاعتبار، فإنّ كل خطة شرعية لتقويم الحياة الإسلامية وفق الهدي الديني، ينبغي أن يؤخذ فيها بعين الاعتبار ما استصحب من عناصر الحق، وما طرأ من عناصر الباطل، وهو ما يدعو إلى كشف موضوعي علمي على الصور الواقعية لتلك الحياة، لتأليف خطّة تُبْقي على عناصر الحق فيها، وتغيّر من عناصر الباطل، ارتقاء في ذلك بالصورة الواقعية إلى مقتضيات التدين الحق. أما الإلغاء الجملي للواقع بقصد تأسيس واقع جديد مثالي فإنه لا يدفع إلى صياغة واقعية للأحكام، بل يؤدي إلى استحضارٍ لأحكام الشرع في نظمها المجرّد، لتكون منها خطة الإصلاح خطّة مثالية غير واقعية.
(ب) نظم الأحكام:
ونعني به الإجراءات العملية في التعامل مع الأحكام الدينية نفسها، في سبيل بناء خطة الترقية الدينية، وهي إجراءات يُعمد فيها إلى الأحكام الدينية فتؤلّف منها منظومة في شكل خطة منصبة على الصورة الواقعية، التي وقع استيعابها بالكشف العلمي عن حقيقتها، وبهذا الاعتبار فإنها تكون إجراءات قائمة على المراوحة بين الحكم الديني من جهة، وبين الصورة الواقعية من جهة أخرى، فيوجّه الحكم توجيهًا يناسب تلك الصورة، من حيث تحقيق المصلحة فيها. وربما يكون من أهم مظاهر تلك الإجراءات ما نذكره تاليًا.
أولًا: إدراج الصور الواقعية الحاصلة في مجال الحياة ناشئة بالتقليد أو بالاقتباس أو بالاستحداث، إدراجها ضمن نوعها الذي ورد فيه حكم شرعي، حتى يعرف بذلك حكمها، فيقع على أساسه إقرارها ضمن الخطة الشرعية المراد بها الإصلاح، أو إخراجها منها تبعًا لما جاء في نوعها من ا لمنع الشرعي.