الصفحة 167 من 233

ومثال ذلك أن يقع في سبيل خطة اقتصادية شرعية تتبع أنواع المعاملات المالية الواقعية، فيميّز بين ما كان منها مندرجًا ضمن نوع الرّبا، وما كان منها غير مندرج، أو تتبع وجوه الاستهلاك السائدة عند الناس، فيُميّز بين ما كان مندرجًا ضمن ا لإسراف، وما كان غير مندرج، فتعتمد الصور التي لا تكون ربًا، ولا تكون إسرافًا في الخطة الاقتصادية الشرعية، لما انطبق عليها من وصف الجواز الشرعي.

وقد بيّن الإمام الشاطبي هذا الإجراء الاجتهادي الواقعي وسمّاه بتحقيق المَناط، وقال في شرحه:"معناه أن يَثْبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعين محلّه... ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حِدتها، وإنما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة، تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معيّن خصوصية ليست في غيره، ولو في التعيين نفسه، وليس ما به الامتياز معتبرًا في الحكم بإطلاق.. . فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلاّ بعد المعرفة بأن هذا المعيّن، يشمله ذلك المطلق، أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلًا وقد لا يكون". (5) ويشير الشاطبي بهذا البيان إلى أن استيعاب الأحكام الدينية بالفهم لا يكفي بذاته في معالجة الوقائع بها، بل لا بد من اجتهاد تقع به المواءمة، بين كل واقعة، وبين الحكم الذي يخصها، فتنشأ من ذلك مجموعة من الأحكام المتخيّرة توجّه الأوضاع الواقعة، بمنع بعضها، وإقرار بعضها الآخر، بحسب اندراجها في تلك الأحكام، حلّية وحرمة. وهذا ضرب من صياغة الأحكام (أي تهيئتها للتطبيق ) على أساس واقعي.

ثانيًا: الموازنة بين الاحتمالات الممكنة، فيما مأخذه من الوحي ظنّي من الأحكام، وذلك باعتبار ما تحققه هذه الاحتمالات من المصلحة في الظرف الواقعي المعيّن، ثم اعتماد الاحتمال الذي يُرجّح أنه أكثر تحقيقًا للمصلحة، واعتباره هو الحكم الشرعي، وإدراجه ضمن خطّة الإصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت