الصفحة 168 من 233

وقد كانت هذه الموازنة معتمدًا للإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، فيما ذهبا إليه من ترجيح احتمال أن يكون حكم التطليق ثلاثًا بلفظ واحد طلقةً واحدة، على احتمال أن يكون طلاقًا بائنًا، مع أن الدليل الظني يتسع لهما جميعًا، وذلك باعتبار ما يحققه هذا الاحتمال من مصلحة، وما يدرأ من مفسدة، في ظروف ذلك الزمن الذي وُجدا فيه، وهو ما بيّنه ابن القيّم في قوله:"... فلما تغير الزمان، وبعد العهد بالسنة ولآثار القوم، وقامت سوق التحليل (6) ونفقت في الناس، فالواجب أن يردّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته، من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل، أو يقللها، ويخفف شرّها، وإذا عُرض على من وفقه الله وبصّره بالهدى، ووفقه في دينه، مسألة كون الثلاث واحدة، ومسألة التحليل، ووازن بينهما تبيّن له التفاوت، وعلم أيّ المسألتين أولى بالدين، وأصلح للمسلمين". (7) فقد كان تفشي التحليل، وما يسببه من ضرر بالغ بالأسرة والمجتمع (8) عاملًا واقعيًّا في ترجيح الحكم، باعتبار التطليق بالثلاث في لفظ طلقةً واحدة، واختياره احكم الشرعي المناسب للظرف الواقعي.

ولا تكون الأوضاع الواقعية مرجحة للاحتمال الذي يكون راجحًا في ميزان الحجة العقلية المجرّدة فحسب، بل قد تكون مرجحة للاحتمال المرجوح في ذلك الميزان؛ إذ تقتضي تلك الأوضاع أن ينتخب المرجوح فيتخذ حكمًا شرعيًّا يعمل به، لما يرى من تحقيقه للمصلحة دون الرّاجح، وبهذا الاعتبار فإن الإفهام المرجوحة من دلالات الأحكام لا ينبغي أن تُسقط في التراث الفقهي، كما جرى عليه الحال في عهود الجمود؛ إذ هي ذخيرة اجتهادية، قد تتكشف الأيام في حياة الأمة عن أوضاع تصلح لها تلك الإفهام علاجًا، فتدرج ضمن ما يُراد من خطط الإصلاح المتجددة. وهذا أيضًا ضرب من تحكيم الواقع في صياغة الحكم الديني. (9)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت