فهرس الكتاب
ثالثًا: استحداث أحكام شرعية للوقائع المستجدة، التي لم ترد فيها أحكام دينية مباشرة. وهذا الاستحداث ينبني على أسس الدين ومقاصده العامة، ولكنه يكون محكومًا بخصائص الوقائع المستجدة وعناصرها العينية، فيما تنبني عليه من صورة، وفيما تؤدي إليه من أثر فيه صلاح أو فساد. ويدخل في ذلك كله ما تنتهي إليه حياة الناس من عادات وأعراف، وتقاليد ذاتية وخارجية، فتدرس جميعًا دراسة مستقصية، تفضي إلى صدور أحكام شرعية، تتناولها بالإباحة أو المنع، وتصبح تلك الأحكام من ضمن ما يواجه به الواقع من مشروع ديني لتوجيه الحياة نحو الخير.
ولا يجدي في هذا الباب إسقاط الفتاوى المستحدثة لوقائع وأوضاع سابقة، بل ولا الفتاوى المستحدثة لوقائع وأوضاع راهنة ولكنها تتلف في بعض معطياتها عمّا يراد علاجه من وضع معيّن، بل تستحدث لكل ظاهرة متميزة أحكامها الخاصة بها، بناءً على تميزها؛ وذلك لأن الواقع"كل صورة من صوره النازلة نازلة مُستأنفة في نفسها لم يتقدّم لها نظير، وإن تقدم لها في الأمر نفسه فلم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد" (10) لاستحداث الحكم الشرعي الذي يناسبها. (11)
وكلما تعقد واقع الحياة، وتشعبت علاقات الناس ببعضهم، وعلاقاته ببيئاتهم، كلما تكاثرت النوازل المستأنفة، والصور الجديدة، إما تولّدًا من ذات المجتمع المعيّن، أو انفعالًا بمجتمعات أخرى، وهو ما يكون مدعاة لتكثيف النظر الاجتهادي، بقصد تغطية كل صورة مستجدة بحكم شرعي يناسبها، في سبيل أن تنمو الحياة الإسلامية على هدي من الدين، دون أن يؤدي زخم التنامي المتسارع في شعب الحياة إلى الانفلات عن أحكام الشرع، كما نراه يحدث في حياة الأمة الإسلامية منذ بدأت نهضتها الحديثة، حيث لم تجد لمستأنفات نوازلها في اتصالها بحضارة الغرب ما يرشدّها من أحكام شرعية، تكون مستهدية بأصول الدين ومقاصده، ولكنها مبنيّة على ما تضمره تلك المستأنفات من مصالح ومن مفاسد.