فهرس الكتاب
رابعًا: العدول عن أحكام جلية وقطعية إلى أحكام أخرى، تعتمد في معالجة نازل واقعية، بسبب أن هذه النوازل لم تتوفر فيها الشروط، التي تجعل إجراء أحكامها عليها مفضية إلى مصلحة، بل يكون اعتماد تلك الأحكام فيها، مؤديًا إلى مشاق تضرّ بالأمة، مما يستلزم تأجيلها، فلا تعتمد في خطط الإصلاح حتى تتوفر في الواقع شروط إثمارها للمصلحة.
وهذه الطريقة في الاجتهاد من أدق الطرق وأكثرها عرضة للزلل؛ ذلك لأن نوازل الواقع قد تكون مندرجة ضمن حكم شرعي جليّ اندراجًا واضحًا، ولكنها في مجرى حدوثها، أو في مآلها، قد تكون مفضية إلى غير المصلحة، التي يبتغيها ذلك الحكم، فيكون اعتماد الحكم فيها مخلاًّ بمقصد الدين في نفع الناس. ومن جهة أخرى فإن العدول عن الحكم في إجرائه عليها قد يكون للهوى والتشهي مدخل فيه، بدعوى أن في هذا العدول تحقيقًا لمصالح قد تكون في كثير من الأحيان موهومة. وكم من حرج لحق الناس بسبب الاعتماد الآلي للأحكام، على كل ما يندرج تحتها من نوازل جزئية، تحرّزًا من تعطيل الحكم الإلهي. وكم من إهدار للأحكام الشرعية، بدعوى أن اعتمادها في بعض النوازل يؤدي إلى مفسدة، وهذا كله يجري اليوم في العالم الإسلامي، من قِبَل من يعتمد حرفية التطبيق الشرعي بصفة آلية، ومن قِبل من يعتمد تعطيل الأحكام الشرعية بصفة مطلقة، بدعوى أنها لم تعد تؤدي في واقع اليوم إلى مصلحة.