فهرس الكتاب
وقد استحدث الأصوليون ضوابط في هذه الطريقة، كي لا تحيد إلى الطرفين المرذولين. ومن أهم هذه الضوابط مراعاة مآلات الأفعال، التي يقول الشاطبي في شرحها:"إن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظرة إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو لمصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة، تساوي المصلحة، أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للاجتهاد صعب المورد". (12)
والاستحسان من ضوابط هذه الطريقة، إذ هو عند المالكية المتوسعين في استعماله"الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلّي، ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس". (13) ويكون ذلك بأن يستثنى وضع خاص، أو نازلة معينة، من الحكم الذي ينطبق عليها، لدرء مفسدة تحصل بإجرائه عليها وجلب مصلحة بذلك الاستثناء. وقد عدّ صنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تأجيل حدّ السرقة عام المجاعة عملًا بالاستحسان. (14)
هذه بعض الإجراءات الاجتهادية، التي يتكون من مجملها مبدأ الواقعية في صياغة أحكام الشريعة، وتهيئتها لترشيد الواقع، سواء في التحقّق من المناط، أو في الترجيح، أو في الاستحداث، أو في الاستثناء، بحيث تتوفر من ذلك كله قاعدة في الصياغة بالمعنى الذي حدّدناه لها، يكون فيها واقع الأحداث في حياة المسلمين عنصرًا أساسيًّا في بنية هذه الصياغة وانتظامها.