الصفحة 173 من 233

إن هذه المنطقية الواقعية، غير المطّردة في انضباطها، تقابلها في أحكام الدين المجردة منطقية هي أقرب إلى انضباط المطّرد، فهذه الأحكام متناولة بالإلزام والمنع والإباحة لأجناس الأفعال في مفاهيمها المجردة، ولذلك فإنها تقنّن لتلك الأجناس بحسب ما يغلب عليها في آثارها، من تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، وذلك هو ما يحصل في الأذهان عن الاجتهاد في تفهّم الأحكام من أدلتها، إذ تنتظم هذه الأحكام متكاملة غير متناقضة لما تجري عليه من منطقية تجريدية، محكومة أساسًا بعصمة الوحي، من أن يكون بين أوامره تضارب أو تناقض، وقد دوّن فقه الأحكام في كتب الفروع على هذا النحو من الاتساق، لما كان فقهًا مجرّدً في عهوده الأخيرة على الأخص، وأما الاختلافات بين المذاهب فإن أكثرها حصلت في الطور الأول من عهد الأئمة المؤسسين، لما كان للواقع دور في تقرير أحكام الفقه.

وحينما يراد تطبيق الأحكام الدينية على الأوضاع الواقعية العينية، تواجه المسلم مشكلة التوفيق بين منطقية الفقه المجرد، وبين منطقية الواقع الجاري؛ إذ هذا الواقع قد تطرأ على عناصره من الملابسات، ما تصير به بعض أفعال الإنسان مؤدية لو أجريت بحسب الحكم الديني المجرد إلى إلحاق ضرر به، في ناحية أخرى من نواحي حياته، قد يكون أبلغ من النفع الذي يحصل بذلك الإجراء، بسبب من ملابسات يقتضيها المنطق الذاتي لمجريات الأحداث الواقعية. ومثال ذلك أن حكم الإباحة حكم مطلق في الملكية الفردية، وهو حكم يثمر مصالح جمّة، تتمثل بالأخص في التشجيع على الإنتاج، حتى يكثر الخير ويزدهر الاقتصاد، ولكنّ هذا الحكم قد يؤدي إجراؤه في بعض الأحوال إلى أضرار اجتماعية جسيمة، مثل ملكية أماكن تتعيّن فيها مصلحة جماعية مؤكدة، أو ملكية سلع ضرورية للحياة بقصد الاحتكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت