الصفحة 174 من 233

وفي سبيل التوفيق بين الأحكام المجردة، وبين الوقائع الجارية، بما يدفع حياة المسلم إلى ما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، ينبغي صياغة الأحكام، بالنسبة لكل وضع واقعي مخصوص صياغة يؤخذ فيها بعين الاعتبار انعكاساته على مختلف جوانب ذلك الوضع، بحيث تتكامل المصلحة فيها، ولا يؤدي تحقيق نفع في بعضها إلى حصول ضرر في بعضها الآخر قد يفوق ذلك النفع، فيما يشبه تحوّط الصيدلاني في صناعة الدواء من أن تكون لدوائه مضاعفات تلحق ببعض أجهزة الجسم ضررًا، قد يفوق ما يحققه من شفاء، من الداء المراد علاجه، بحيث يجعله ذلك التحوط يعمل على تحقيق التكامل الإيجابي لآثار الدواء في جسم المريض. وهذه القاعدة في صياغة الأحكام الدينية هي التي نعنيها بمبدأ التكامل الذي نحن بصدد شرحه.

ويتم التكامل الذي نعنيه بمراعاة جملة من القواعد يقع على أساسها صياغة الأحكام لمعالجة واقع معيّن، سواء بالترجيح أو الاستثناء أو الاستحداث، تضمن كلها توافق الآثار التي تؤدي إليها تلك الأحكام في تصرفات الناس، بما يحقق وجهتها نحو الله، ويعصمها من التناقض، الذي يثنيها عن تلك الوجهة. ونورد فيما يلي بعضًا من تلك القواعد المحققة للتكامل.

أولًا: فهم التشابك في الصورة الواقعية بين عناصرها المختلفة: النفسية والثقافية والاقتصادية والسياسية؛ وذلك لإدراك علاقات التفاعل بينها في اتجاهي الفعل والانفعال، فإدراك هذه العلاقات في شبكتها الفردية والاجتماعية الواسعة أمر ضروري في سبيل تقدير الآثار التي تصيب سائر العناصر، حينما ينزّل حكم ما على عنصر معين منها بمقتضى طبيعة العلاقة الرابطية بينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت