الصفحة 175 من 233

وضرورة هذا الفهم تزداد تأكّدًا في واقع المسلمين اليوم، بالنظر إلى ما آلت إليه حياتهم من تشابك وتعقد، وما أضحت عليه مصالحهم من تداخل، على بعد المسافات بينهم. وهو ما أحدثه تفنن الاختصاصات في مرافق الحياة، وتفرعها باطراد، حتى أصبحت المصالح في غاية الترابط بين أفراد الناس ومجموعاتهم. وقد وطّد ذلك الترابط ما أصبح للدولة الحديثة من سلطة شاملة على المجتمع، حيث أصبحت قيّمة على شؤونه كلها، ولم تكن كذلك في التاريخ الإسلامي طيلة قرون. فهذه السلطة الشاملة للدولة جعلت من التركيب الاجتماعي وحدة تتماسك من بين ما تتماسك بما تشده به من حبل النفوذ، وهو الحبل الذي يكون به التأثير سريع الانتقال بين مجالات الحياة المختلفة. ووسائل الإعلام الحديثة، ومسالك الاتصال، التي جعلت العالم المترامي كالمدينة الصغيرة ساهما بحظ وافر في تنمية قابلية التفاعل بين الجوانب المختلفة من الحياة.

إن هذا الموضوع الذي أصبح عليه واقع الحياة الإسلامية اليوم، في وثوق الصلة الانفعالية بين أطرافها يجعل الوقوف عليه بالفهم الدقيق من هذا الوجه أمر بالغ الضرورة، في سبيل صياغة الحلول الشرعية لعلاج مشاكله. ولم يكن التراث الفقهي مبنيًّا على قدر كبير من الفقه الواقعي، من جهة الترابط الانفعالي؛ إذ بساطة الحياة والاستقلالية النسبية لمسالكها لم يضطره إلى ذلك، إلا بقدر ما يفي بالوقوف على الأسس العامة لطبيعة الحياة الإنسانية، في وحدتها الفردية والاجتماعية؛ ولذلك فإن هذه القاعدة في متابعة التشابك الفاعل بين أوجه الحياة تظل قاعدة تكتسب من الأهمية باطراد بقدر ما تتشعب حياة المسلمين، وتتشابك عناصرها، وتتعقد أسبابها. وهذا أمر يغفل عنه كثير من الدُّعاة اليوم، حيث يظنون أن أحكام الدين في منطقيتها المجردة كفيلة بأن تصلح من أحوال المسلمين، دون صياغة واقعية لها تتكامل بها آثارها في الإصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت