فهرس الكتاب
ثانيًا: صياغة الأحكام السلوكية في إطار المبادئ العقدية. ولا نقصد المبادئ العقدية الأسس الأصلية للعقيدة الإسلامية فحسب، فذلك أمر بدهي في هذا المقام، ولكننا نقصد المبادئ العقدية الخاصة بكل مجال من مجالات السلوك المختلفة، فإن لكل منها إطارا عقدي يفضي به إلى المرجعية العقدية العليا للدين. وخذ إليك مثالا في ذلك أن السلوك الاقتصادي إطاره العقدي الإيمان بأن الملكية الحقيقية لكل شيء إنما هي ملكية الله تعالى، والإنسان ليس إلا مستخلفًا على كل ما بين يديه من مقدرات، وفي هذا الإطار ينبغي أن يتنزل سلوكه في المجال الاقتصادي، إنتاجًا وتوزيعًا واستهلاكًا، وأن السلوك الاجتماعي بمعناه العام إطاره العقدي الإيمان بكرامة الإنسان، وعلو قيمته، بمقتضى إنسانيته، وفي هذا الإطار ينبغي أن تندرج جميع التصرفات الاجتماعية، وهكذا الأمر في كل وجه من وجوه النشاط الإنساني.
إن صياغة الأحكام المتعلقة بالتصرفات السلوكية على اختلافها ينبغي أن تقوم على الالتزام الواعي بهذه الأسس العدية، ومحاكمة كل حكم عند الترجيح أو الاستحداث إليها؛ إذ هي بحكم مبدئيتها وتكاملها فيما بينها تقوم مقام العاصم، حينما يُحتكم إليها، من أن تكون للأحكام آثار متناقضة مخلة بالمصلحة، فهي تقوم مقام المرجع الكلي، الذي ينسّق الأحكام الجزئية، ويسوقها إلى التكامل، في توجيه الحياة إلى التدين الأكمل.
وتبدو الحاجة إلى هذه القاعدة أشد، في تلك الأحكام التي يستحدثها لفقيه المجتهد، في طارئات النوازل، التي ليس فيها حكم سابق، فإن هذه الأحكام إذا لم تكن ناشئة عن مرجعية عقدية، داخلها التعارض، فباءت آثارها بالضرر على المسلمين. هذا وإن زحمة الطوارئ في واقع الحياة، لطبيعتها المنقلبة كثيرا ما تغري في سبيل استعجال الحلول الشرعية المناسبة لها بتناسي الإطار العقدي، الذي يجب أن تتنزل فيه تلك الحلول، فيأتي بعضها مناقضًا للمصلحة من جوانب أخرى.