الصفحة 177 من 233

والمتأمل في التراث الفقهي كما انتهى إليه في عهود ضعفه يجد أن كثافة التفريعات فيه، وما استلزمته من بسط منطقي مجرد تنتظم فيه فقهًا تعليميًّا مدرسيًّا، أدت في بعض الأحيان إلى غفلة عن المرجعية العقدية، التي ينبغي أن تستند إليها جزئيات الأحكام الفقهية، فكان ذلك من أسباب التعارض المخلّة بالمصلحة. وخذ مثالًا في ذلك من فقه السياسة الشرعية، حيث أجاز بعض الفقهاء ولاية السلطان المستبد، ومنعوا عزله إذا كان مقيما لشعائره الدينية، مع استبداده وظلمه، وهو ما يتناقض مع الأحكام التي جاء بها الذين لغرض تحقيق الأمن والعدل، ودفع الناس للتعمير في الأرض، وهي من غايات قيام الإمامة في الأمة. وإنما نشأ هذا التضارب، من الغفلة عن تنزيل هذا الحكم، الذي يشبه أن يكون إباحةً للاستبداد في الإطار العقدي للسياسة الشرعية، وهو الإطار المحكوم بأن الإمام إنما هو نائب عن الأمة، مفوّض من قبلها، ليسوسها بحسب ما جاءت به الشريعة من العدل والشورى، واحترام الإنسان.

وفي هذا العهد من حياة المسلمين ، تعقدت مسالك الحياة، وتكثفت طارئات الأحداث، بما يدعو إلى المزيد من الاعتصام بالمبادئ العقدية، في سبيل مواجهة هذا الوضع الواقعي المعقد بحلول دينية ترشّد الحياة في غير تناقض. وهذا ما يستلزم من بين ما يستلزم إحياء البحث في المبادئ العقدية، في أبعادها العملية المتعلقة بالإنسان، من حيث مركزه في العقيدة الإسلامية خاصة، وتخليص هذا البحث مما سقط فيه من تجريدية مجافية للواقع، ومن تضييق لمفهوم العقيدة، انفصلت فيه التصديقات القلبية بالألوهية، والنبوة، والبعث، عن أبعادها في الحياة الاجتماعية، ثم جعل مباحث العقيدة على هذا الوجه لازمةً للبحث الاجتهادي في تصويب السلوك، حتى يكون له سند حاضر في الوعي، فتصاغ الأحكام المعالجة للواقع في إطارها المرجعي القريب، فتخلو بذلك من التناقض فيما تحدثه من آثار، وتتكامل في ترشيدها للحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت