فهرس الكتاب
ثالثًا: اعتبار مآلات الأحكام، فالأحكام المجردة التي تستفاد من أدلتها أو تستحدث بالاجتهاد تكون ضابطة للحق في جنس ما تمنع، أو تبيح من أفعال الناس، ولكنها عندما تحاكم إلى الأفعال العينية بظروفها الخاصة فغن بعض الأحكام قد لا تكون مؤدية إلى غايتها التي وضعت لها، بل قد تفضي إلى عكس تلك الغاية، وليس ذلك بسبب من الحكم ذاته، إذ هو متمخض للحق، معصوم من الخطأ، ولكنه بسبب من الخصائص الواقعية للفعل، الذي طبق عليه جعلته يؤول بالحكم إلى غ ير ما وضع له. ولهذا الأمر، فإن النظر الاجتهادي في الأحكام عند صياغتها لمعالجة واقع ما، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مآل الحكم، حينما يراد به تقويم فعل مخصوص من الأفعال بناء على الخصائص الظرفية لذلك الفعل، ولا يكفي فيه اعتبار المطابقة، بين الحكم، وبين الفعل من حيث جنسه. وهذا المعنى هو الذي بيّنه الإمام الشاطبي في قوله الآنف الذكر، حينما قرر (أن اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها على وجهين أحدهما الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، والثاني الاقتضاء التبعي، وهو الواقع على العمل مع اعتبار التوابع والإضافات ) . (16) فهذا الوجه الثاني يدخل فيه اعتبار مآل الحكم في الواقع عند تقديره من دليله، فقد يفضي ذلك الاعتبار إلى العدول عن الحكم الأصلي إلى حكم غيره تقتضيه خصوصيات الواقع.