الصفحة 179 من 233

واعتبار مآلات الأحكام ينبغي أن ينبني على علم دقيق بأسباب التفاعل بين مجريات الأحداث في الواقع الذي يراد علاجه، بحيث يعرف بتلك الأسباب ما ينتج عن تطبيق حكم معين، على سلوك معين، من آثار صالحة أو ضارة، وعلى ذلك الأساس يقع إقرار ذلك الحكم، أو العدول عنه إلى غيره، بحسب ما يغلب على الظن أن تتحقق به المصلحة ويدرأ الضرر. ومن البيّن أن تقدير مآل الحكم في الواقع المعين يحتاج إلى استخدام الوسائل العلمية في التحليل، كما بيناه في الباب السابق، عند الحديث عن آليات فهم الواقع، وهو نوع من الاجتهاد الدقيق، الذي يحتاج إلى الكثير من الصبر في مغالبة الهوى، والإخلاص في النية لله تعالى.

ويتحقق التكامل باعتبار مآلات الأحكام بصور متعددة، تتلافى كلها التضارب بين ما يراد من الأحكام الشرعية من تحقيق مصلحة، وبين ما قد يفضي إليه اعتمادها في ظرف معين من مضرة.

ومن هذه الصور، أن يكون حكم ما مؤديا حينما يعتمد في مواجهة الواقع، إلى تحقيق خير في مجال. ولكن يؤدي في الوقت نفسه باعتبار خصوصيات ذلك الواقع، إلى ضرر قد يفوق ذلك الخير، ويأتي عليه بالنقض، فيعدل عنه إلى حكم آخر يتفادى به هذا التناقض، ومثاله أن الحكم بإطلاق الإباحة في الملكية الفردية من شأنه أن يكون دافعًا إلى غزارة الإنتاج، الذي يزدهر به الجانب الاقتصادي من حيات الأمة، ولكن في الظرف الذي تصير فيه الحاجات الضرورية للكافة غير مكفولة، بسبب قحط أو حرب أو غيرها، فإن هذا الحكم بإطلاق الإباحة في الملكية الفردية قد يفضي إلى ضرر اجتماعي كبير بتفاقم الحاجات الضرورية، وما يؤدي إليه ذلك من اضطراب اجتماعي، قد يكون مدمرًا لوحدة الأمة، ففي هذا الظرف يعدل عن الحكم بإطلاق الإباحة في الملكية الفردية، إلى الحكم بتقييدها بما يدرأ المفسدة الإجماعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت