فهرس الكتاب
لكل حكم من الأحكام الدينية مقصد يهدف إلى تحقيقه في حياة الناس، وبتحققه في الواقع تتحقق للإنسان منفعة، أو تُدرأ عنه مفسدة.
والرابطة بين الحكم، وبين مقصده، رابطة تلازم على مستوى التجريد، فما من حكم إلا له مقصد إليه يفضي، ومن أجله وضع، والكشف على هذا المقصد يكون بالاجتهاد في الفهم، وقد يكون سهلًا وقد يكون صعبًا، بحسب درجة وضوحه في ليل الحكم، إلا أن مقاصد الأحكام وإن كانت لازمة لها في ذاتها لزومًا منطقيًّا مجردًا، فإن وقوع الأحكام على عين الأفعال في الواقع لا يلازمه بالضرورة المطردة حصول المقاصد منها؛ وذلك لأن أفعال الإنسان العينية في واقعها الزمني، قد تحف بها أعراض وملابسات تحول دون تحقيقها للمقاصد، من الأحكام التي أجريت عليها، فتطبق إذن الأحكام على مجريات الأحداث وتتخلف المقاصد التي من أجلها وضعت، ومثال ذلك أن حكم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مقصده حفظ المجتمع، وتحقيق سلامته وأمنه، وإحقاق الحق فيه، إلا أنه قد يأتي على جماعة ما ظرف يبلغون فيه من قساوة القلوب ما يجعلهم يقابلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعناد والإصرار، ويقابلون القائم بهذا الواجب بالأذى، فلا يتحقق إذن المقصد من هذا الحكم بإجرائه في الواقع، وإن كان لازمًا له في الأصل.