فهرس الكتاب
ولذلك فإن اعتبار المقاصد في الأحكام لا يكفي فيه الاجتهاد النظري، الذي يهدف إلى الكشف عن مقاصد الأحكام، في منطقيتها التجريدية، فتلك مرحلة ضرورية أولى، تم ضمن ما سميناه بالاجتهاد في الفهم، ولا بد من مرحلة اجتهادية ثانية، عند صياغة الأحكام، بقصد تهيئتها لمعالجة الواقع، وهي مرحلة يتم فيها اعتبار المقاصد في الأحكام، من حيث حصولها في الواقع، عندما تطبق تلك الأحكام على مشخصات الأحداث، فيكون رجحان الظن بحصولها أو تخلفها، ميزانًا في صياغة الأحكام، بقصد إدراجها في خطة المعالجة الإصلاحية، اعتمادًا لما يرجح الظن بتحقيقه مقصده، في الواقع من الأحكام، وعدولًا بوجه من وجوه العدول عما يرجح الظن أنه لا يحقق مقصده، لأعراض تلم بالوقائع المراد إجراء الأحكام عليها.
وكما أن للكشف الاجتهادي عن مقاصد الأحكام في مستوى تبريدها مسالك وطرقًا يتم بها الوقوف عليها يقينًا أو ظنًّا راجحًا. (17) فإن الوقوف على تحقق المقاصد من أحكامها في الواقع، أو عدم تحققها، يكون بطرق ومسالك خاصة به، مغايرة للأولى لاختلاف طبيعة النظر الاجتهادي، بين النظر لكشف مقاصد الأحكام مطلقًا، وبين النظر للتحقق من ملازمتها لها، عند تنزيلها على واقعات الأحداث.