الصفحة 184 من 233

والمنهجية العامة التي يقوم عليها النظر الاجتهادي في تبيّن حصول المقاصد من الأحكام، تقوم على تحليل الواقع المراد علاجه تحليلًا علميًّ، ثم مناظرة مقصد الحكم، بعد ما يكون قد حصل، بالفهم بعناصر ذلك الواقع، في عوارضه التشخيصية الناشئة من خصوصيات ظروفه، وبناء على تلك المناظرة يقع تقدير ما إذا كان المقصد من شأنه الحصول في الواقع بخصوصياته ، أو ليس من شأنه ذلك، ولا يخفى أن هذا التقدير يحتاج إلى قدر كبير من الفقه بالواقع، ومن استنارة البصيرة بنور الإخلاص والصدق. وإننا لنرى اليوم، في خصوص هذا النظر الاجتهادي فئتين متناقضتين، ممن ينشغلون بتوجيه حياة المسلمين، وجهة الدين القيم: إحداهما لا ينقصها الإخلاص والصدق، ولكن ينقصها الفقه بالواقع وملابساته، فإذ بها تدعو إلى تطبيق الأحكام دون علم بمآلات مقاصدها، وتصوغ من ذلك خطط إصلاحها، وتشرع في تنفيذ ما تقدر على تنفيذه، فتسقط دعوتها أحيانًا كثيرة في نقيض ما رامته من إصلاح، والثانية لا ينقصها العلم بالواقع، ولكن ينقصها الإخلاص والصدق، فإذا بها تدعي أن الواقع"المعاصر"لا يتحمل كثيرا من الأحكام والشرعية، لعدم تحقق مقاصدها فيه، وهي بذلك تؤول إلى ضرب إهدارٍ للدين من أساسه، بنقضه عروة. وبين خطأ أولئك وهؤلاء تبقى الضرورة قائمة لتنظير أصولي متين في هذه القضية، يقطع مسالك الخطأ، ويسدد النظر الاجتهادي في صياغة أحكام الدين بقصد التنزيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت