الصفحة 185 من 233

ومن المهم أن نلاحظ في خاتمة هذا الفصل، أن كلامنا في هذه المبادئ، التي تتأسس عليها صياغة الشريعة، بما اشتمل عليه من أمثلة جزئية، وما مال إليه من تركيز على إصلاح الواقع الموجود بالفعل في أنماطه القائمة، لا ينبغي أن يفهم منه أن هذه ا لمبادئ لا تصلح إلا في اجتهادات جزئية متفاصلة، تهدف إلى ترقيع ما يقع في حياة المسلمين من نوازل ذات طابع فردي جزئي، وحقيقة قصدنا بهذه المبادئ أن تكون مبادئ للتفكير الفقهي، من حيث إعداد الأحكام للتطبيق، سواء بترشيد ما يقع، أو بالتخطيط لما ينبغي أن يقع، فيتجه هذا التفكير إلى إحداث أنساق فقهية شرعية، تدرج فيها الأحكام ترجيحًا وتحقيقًا واستثناء واستحداثًا، بحسب ما يقتضيه علاج الوضاع القائمة في حياة المسلمين، وتطويرها إلى ما يرقّي التدين فيها، ولا يكون محكومًا في منهجيته بالنسق الذي بني عليه التراث الفقهي المتأخر، بناءً مدرسيًّا تجريديًّا . وهذا المعنى هو الذي عبر عله أحد فقهاء الدعوة المعاصرين بقوله: لو كان لنا أن نبدأ من حيث انتهينا لعرضنا كذلك فقه الإسلام عرضًا دقيقًا، يركز على مقاصد الدين، وضرورة الترجيح دائمًا بين تلك المقاصد وترتيبها، حتى إذا نشأت حاجات العمل، تزود الناس بفقه لتصريف الأحكام وترتيبها، ولم نبسطها بسطًا أفقيًّا تترتب فيه كلها كأنها سواء. (18)

فقه الإنجاز

نقصد بالإنجاز التطبيق الفعلي للأحكام الدينية على واقع الحياة، وهو المرحلة الثالثة من مراحل التدين، ففهم أحكام الدين في حقيقتها الكلية المجردة مرحلة أولى، وصياغة خطة واقعية من تلك الأحكام مرحلة ثانية، وتنزيل تلك الخطة على الواقع بالممارسة الفعلية مرحلة ثالثة، وهي مرحلة الإنجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت