الصفحة 186 من 233

وتختلف هذه المراحل الثلاث، عن بعضها في طبيعتها. وقد بيّنّا سابقًا وجه الاختلاف بين الفهم، وبين الصياغة، من حيث إن الفهم استيعاب لحقيقة الحكم الديني، والصياغة تهيئة لذلك الحكم ليطبق في واقع معين بمواصفاته المشخّصة، وكذلك الأمر بالنسبة للإنجاز، فإنه يختلف عن كل من الفهم والصياغة، من حيث إنه الممارسة الفعلية في السلوك للأحكام، التي وقع فهمها، ثم وقعت صياغتها للتطبيق.

إن الإنجاز هو العملية الألصق بالواقع في مشخّصاته، والأكثر اتصالًا بتفاصيله وجزئياته، وإذا كانت الصياغة كما مر بيانه تنبني على تقدير الواقع وتشخيصه لتكون الأحكام ناجحة فيه، فإن الإنجاز هو الاحتكاك الفعلي بذلك الواقع، وهن غير التقدير الذهني، الذي تنبني عليه الصياغة، وإن يكن تقديرًا مستخلصًا من تمثل عياني للحياة الواقعية، وبهذا الاعتبار فإن الاحتكاك الفعلي بواقع الحياة لتطبيق الحكام قد يكشف في كثير من الأحيان عن مشاكل لم يقع تقديرها من قبل عند الصياغة، أو هي من جنس مالا يمكن تقديره عندها.

إن صياغة الأحكام تأخذ بعين الاعتبار القدر المشترك بين أفراد عديدين من الناس، أو بين عيّنات مختلفة من الحالات، فتبنى على واقعية ذلك القدر المشترك، ولا يمكن أن تستحدث صياغةٌ لكل فرد بعينه من الناس، أو كل عيّنة مخصوصة من الحالات، فذلك ليس من غرض الدين، ولا هو في إمكان المجتهد. ولكن الإنجاز يتعلق بصفة مباشرة بكل فرد مخصوص، وبكل حالة بعينها، وحينئذ فإن بعض الأفراد والحالات قد يند لخصوصية فيه، عن أن تحقق الصياغة المقدرة لنوعه مقصد الدين فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت