الصفحة 187 من 233

وكذلك فإن للواقع الإنساني منطقًا في الحركة والتغير لا ينضبط بصفة قطعية، فالمعطيات الخفية في الإنسان تتدخل أحيانًا في مجريات الواقع، لتغيّرها إلى ما هو غير متوقع، ولتحدث عناصر كميّة أو كيفيّة في نسق الواقع، لم تؤخذ بعين الاعتبار عند تقدير الصياغة، وتصبح هذه العناصر تمثل مشكلات ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند الإنجاز.

وإذا عدنا إلى المثال الذي أوردناه سابقًا لتوضيح العلاقة بين الفهم وبين الصياغة، فإننا نجد فيه ما يوضع العلاقة بين الصياغة وبين الإنجاز أيضًا، فالمثال الواقعي الذي يصوغه المهندس المعماري لعمارة ما قد تعترضه عند الإنجاز مُشكلاتُ، من خصوصيات المناخ، أو آلات العمل، أو مواد البناء، ما يكون له أثر في عملية الإنجاز نفسها، مما يستلزم أخذها بعين الاعتبار فيها، وكذلك الأمر بالنسبة للدواء، الذي يعد لمريض ما، بحسب خصوصيات مرضه، فإن المريض قد تطرأ عليه من الأحوال الذاتي أو الخارجية ما يمثل مشكلًا في سبيل إنجاز العلاج بذلك الدواء، وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في عملية الإنجاز.

إن هذه الخصوصية في مرحلة الإنجاز، من مراحل التدين ، تستلزم فقهًا خاصًّا بها، يتميز عن فقه الفهم، وعن فقه الصياغة، وهو فقه يهدف إلى أن يتم تطبيق الأحكام الدينية تطبيقًا تتحقق به المصلحة، التي تعد عمودًا للفهم، وعمودًا للصياغة، ويقوم هذا الفقه على مراقبة الأحكام في تطبيقها على الأعيان، من حيث ما تثمر من نفع مقصود لها، أو ما يبور من ثمرها، وعلى ضوء ذلك يقع التصرف بما يضمن ثمرة المصلحة، وما يحول دون بوارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت