فهرس الكتاب
ولعل فقه الفتاوى من بين التراث الفقهي الإسلامي، هو الفقه الذي تبرز فيه جلية القواعد الفقهية للإنجاز، باعتبار أنه فقه يعالج العينات الواقعية للأفراد والحالات، من حيث تطبيق الأحكام الفقهية عليها، وتتناول الفتاوى غالبًا حالات تظهر فيها إشكالات في انطباق الصياغة الواقعية عليها عند التطبيق الفعلي، فيتولى المفتي معالجة تلك الإشكالات، بما يمكن أن نسميه بفقه الإنجاز، ونحسب أن فقه الإنجاز الذي جرت عليه الفتاوى لم يحظ بالقدر الكافي من الدراسة والتوضيح والتنظير، ولو وقع ذلك لكان فيه خير كبير لفقه التدين عامة.
ولو تأملنا في واقع المسلمين اليوم، وما تسعى إليه الصحوة الإسلامية من إنجاز للدين في واقع الحياة، لرأينا فقه الإنجاز لا يحظى باهتمام مكافئ لخطره، بل لا يحظى أحيانا حتى بقدر من الوعي بأهميته في ترشيد التدين، وفي غياب الاهتمام الكافي بفقه الإنجاز، والوعي بخطورته تحدث تصرفات كثيرة يحسب أنها إنجازات دينية، تهدف إلى ترقية التدين، ولكنها عند محاكمتها إلى ما تحققه من المصلحة، يتبين أنها لا تحقق من ذلك شيئًا، وهي بالتالي لا تسهم في ترقية التدين، وخذ إليك مثلًا في ذلك عمل بعض الجماعات الإسلامية على التطبيق الآلي الفوري للأنموذج الإسلامي، في الحياة، في كل ميدان من ميادينها، رفضًا لكل تأجيل أو مرحلية في الإنجاز، وكذلك عمل بعضٍ آخر على التطبيق المصرّ لبعض الجزئيات والسنن الشخصية، دون أن تتوفر لها الشروط المعنوية والمادية للتطبيق، وذلك مع التغافل عما هو أكثر أهمية منها من الأحكام الأساسية الواجبة.
إن الحاجة تدعو في الظرف الراهن للمسلمين إلى تنشيط البحث في فقه الإنجاز، بعثًا لما في التراث الفقهي الأصولي من ذلك ، وإضافة إليه، وإثراء له، بما يتاح من معطيات جديدة، ولعله من المفيد أن ينشط هذا البحث في المحورين التاليين: شروط الإنجاز، وآداب الإنجاز.
1-شروط الإنجاز