فهرس الكتاب
إن تطبيق الأحكام الدينية يهدف إلى تكييف واقع إنساني نفسي وسلوكي ليتجه الوجهة المرسومة في الدين، وهو بذلك يلاقي عوامل مضادة في واقع التركيب الإرادي النفسي للإنسان، وفي واقع المعهود الاجتماعي النزاع إلى المحافظة على نفسه، والتأبّي على التكيف الجديد، وعلى هذا الاعتبار فإن تطبيق الأحكام الدينية يستلزم التمهيد له لكي يتم بنجاعة، وذلك بتوفير جملة من الشروط الضرورية، التي تهيئ الظرف النفسي والمادي، لتجد الأحكام طريقها إلى تكييف الحياة، بما تحرز تلك التهيئة من مغالبة عوامل الإباء النفسية والاجتماعية.
والتغاضي عن هذه الشروط المهيأة للتطبيق، وإهمال العمل على توفيها يفضي لا محالة إلى أيلولة ذلك التطبيق إلى التعثر والاضطراب، بل إلى الفشل في كثير من الأحيان، وفي تاريخ الدعوة الإسلامية قديمًا وحديثًا شواهد عديدة على هذا الأمر، ومن ذلك ما نراه اليوم من محاولات تطبيق بعض الأحكام الشرعية بصفة جزئية، في ظروف غير مهيأة نفسيًّا وماديًّا، فلا تؤتي تلك المحاولات أكلها، وكثيرًا ما تنكفئ خاسرة، وقد نبه إلى ذلك أبو الأعلى المودودي رحمه الله حيث قال:"إنه لو خُوّل المسلمين اليوم أن يؤسسوا دولة في بقعة من بقاع الأرض لما استطاعوا أن يقوموا بإدارة شؤونها، وتسيير دفتها وفق المبادئ الإسلامية ولا ليوم واحد، فإنكم معشر المسلمين لم تعدوا المعدات اللازمة، ولا هيأتم العوامل الكافية". (1) ثم يضرب عدة أمثلة تاريخية تبين فيها فشل التطبيق لأحكام الشريعة، بسبب من غياب المعدات والشروط الضرورية لذلك. (2)