فهرس الكتاب
ويجدر التنبيه إلى أنه ينبغي الاحتراز من المبالغة في التذرع بعدم توفر الشروط، لتأجيل الإنجاز للأحكام الدينية، وهي مبالغة قد تفضي إلى تعطيل دائم لا يعرف له حد، بدعوى أن الظروف لم تهيأ بعد، وهو ما يراه اليوم بعض الدعاة، من أنه لا يمكن تنزيل الأحكام الدينية في واقع المجتمع، حتى ينصلح أمر الحكم بميزان الدين تمام الانصلاح، فتجري الأمور كلها بذلك على وزّان واحد من الشرع، ويشبه هذا ما رآهن بعض الخوارج قديمًا، من أن صلاة الجمعة لا ينبغي أن تنعقد إلا في ظل السلطان القائم بالدين، وإنما المقصود بتوفير الشروط، العمل على تهيئة الظروف الملائمة لإنجاز الأحكام، بما هو متاح من الوسائل القريبة، التي تضمن قدرًا أدنى من نجاح الإنجاز وبلوغه غايته، مع اعتبار الاختلاف في طبيعة الأحكام، مما يستلزم اختلافًا في الشروط بالنوع أحيانًا، وبالكيفية أحيانًا أخرى.
وليست الشروط التي نقصدها في هذا المقام فرصًا تتاح بصفة تلقائية، ويكون الموقف منها موقف التحين لوقوعها، فيقع اهتبالها لإنجاز أحكام الشريعة بمناسبات حصولها، وإنما هي شروطٌ تُجْعَلُ جعلًا، ويسعى في توفيرها سعيًا، فهي من صميم الفقه الإنجازي بما هي مرحلة أولى من مراحل الإنجاز تتوقف عليها مرحلة الإنجاز، الفعلي، ونحسب أن هذه الشروط ترجع إلى شرطين أساسيين: الوعي والاقتناع، ثم التأطّر الاجتماعي.
أ: الوعي والاقتناع:
لكي تأخذ الأحكام الدينية طريقها إلى الإنجاز الصحيح، كمشروع إصلاحي متكامل، لا بد أن يتوفر لدى الناس المراد تطبيقها فيهم قدرٌ أدنى من الوعي، والاقتناع بها، أما الوعي فهو الفهم الجملي لمجموع ا لتشريع، من حيث حقيقته وطبيعته، ومن حيث أهدافه، وأما الاقتناع فهو التصديق بأحقيته، واليقين من نجاعته في الإصلاح.