فهرس الكتاب
وقد كان السعي في تحقيق هذا الشرط سنة نبوية، حيث ظل النبي صلى الله عليه وسلم سنوات طوالًا يبشر الناس بالشريعة الإسلامية، ابتداءً بالأسس العقدية، ثم بيانا للتكاليف السلوكية، ولم يقدم على تنزيل الشرع الإسلامي تنزيلًا شاملًا، إلا لما حصل قدر كاف من فهمه والاقتناع به، في البيئة التي طبقه فيها، رغم أن آحاد الأفراد من أتباعه كان حصل لديهم هذا الشرط منذ الأيام الأولى للدعوة، ولكن إرادة الله في تنجيم التشاريع كأنما كانت تعليمًا للإنسان كي يكسب الوعي والاقتناع أولًا، ثم ينفذ بعد ذلك ما يعيه ويقتنع به من تشريع.
وإذا كانت الأمة الإسلامية بعد عهد النبوة قد شاع فيها الشرع السلوكي، بالفهم والاقتناع والتنزيل في أغلب الأحوال، فإن الظرف الذي تعيشه الآن وآل إليه أمرها من بعض الزمن يشبه من بعض الوجوه الظرف الذي عاشه الإسلام في أول عهده، فيحتاج فيه المسلمون لذلك إلى فقه تنزيلي، من جنس فقه التنزيل الذي أنجز به الدين في ذلك الظرف.
إن المسلمين اليوم لا يعيشون عهد جاهلية كما يظنه بعض الناس، بل هم يعيشون حياة طابعها العام إسلامي، ولكن مظاهر جاهلية تغشى بعض جوانبها، وتختلف ضيقًا واتساعًا بحسب المجالات، حتى لتبلغ في المجال الاجتماعي والاقتصادي من السعة ما يكاد ينحسر به الشرع تمام الانحسار، وليست هذه العطالة في تطبيق الشريعة في مجالات عدة من حياة المسلمين بسبب من كسل أو جهل فحسب، ولكن أيضًا بسبب من اقتناع مذهبي بأن الدين ينحصر سلطانه في دائرة الفرد الذاتية، ولا أمر له ولا نهي، في مجال العلاقات الاجتماعية العامة، بأنواعها المختلفة، وتلك هي العلمانية التي يعتنقها في العالم الإسلامي كثير، بين مبيت لهدم الدين أصلًا من خلالها، وبين غافل عن حقيقة الشمول في طبيعة الدين الإسلامي، متوهم أن العلمانية وجه من وجوه التفسير لهذا الدين.