الصفحة 197 من 233

ولو تأملنا اليوم المذاهب والفلسفات المتصارعة في الساحة العالمية ممتدة إلى الرقعة الإسلامية نفسها، لألفيناها تعرض تشريعها العملي منظومة مترابطة الحلقات، مستوفية الأبعاد، مدعومةً بفقه فلسفي، يهدف على اختلاف وجوهه إلى البرهان على صحة هذه المنظومة في جملتها، وإقناع الناس بتبنيها. فإذا بالتشريعات القانونية تدعمها فلسفة القانون، والتشريعات السياسية تدعمها فلسفة السياسة، والتشريعات الثقافية تدعمها فلسفة الثقافة، وكل ذلك في سبيل إبراز مذهبية سلوكية إبرازًا شاملًا، يسعى إلى سيادتها علميًا، ويتنافس في هذا المسعى الأنموذج الشيوعي والأنموذج الليبرالي الغربي، ولا نرى الشريعة الإسلامية تحظى من قبل أهلها بمثل هذا الدعم، الذي يبرزها مذهبية تطاول المذهبيتين المذكورتين، وإنما هي معروضة للناس كأنما هي مفكوكة الأوصال، مفتقرة إلى البرهان الفلسفي، الذي يقدمها مذهبية متكاملة قوية، وربما كان علم أصول الفقه العلم المهيّأ لأن يكون السند الفلسفي للمنظومة الشرعية، لولا أنه تجمد منذ زمان، ولما تدبّ فيه الحياة من جديد بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت