فهرس الكتاب
أعطاك شيئًا لم يعطه غيرك من عظيم الاستشعار لفضله؛ لكن إذا جئت تنظر إلى مقامك بين الناس فتواضع وتذلل ووطئ الكنف فإن موسى بن عمران-عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- يقول الله له في وحيه: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} منزلة عظيمة يقول له وألقيت عليك محبةً مني ولتصنع على عيني. ويكلمه تكليمًا بدون واسطة بصوت يسمعه-عليه الصلاة والسلام- ومع ذلك لما بلغ في النبوة ما بلغ، وبلغ في مقام العلم ما بلغ لما سئل من أعلم؟ أشار إلى نفسه فعتب الله عليه من فوق سبع سماوات وأمره أن يذهب وقال له: إن بمجمع البحرين من هو أعلم منك، فلما علم أن هناك من هو أعلم منه انظروا كيف التواضع مع علمه ومع أنه ورث هذا الوحي وهذا الخير الذي أوحاه الله إليه مباشرة، مع ذلك وقف-عليه الصلاة والسلام- أمام الخضر ذليلًا متواضعًا للعلم، قال: هل أتبعك؟ ما قال ما رأيك نصطحب مثل ما يفعل بعض طلاب العلم يأتي للعالم ويقول له: - يا شيخ - نجلس سويًا نتذاكر. ومن أنت حتى تذاكر العلماء؟! هذا نبي من أنبياء الله يقول: هل أتبعك؟ فجعل الخضر أمامه وهو وراءه. هل أتبعك - ثم بعد ذلك - على أن تعلمني مما علمت رشدًا، هذه هي - والله - البصيرة التي يعرف الإنسان بها قدره وقدر هذا العلم، العالم الذي يعرف منزلة العلم يتواضع له، والإنسان الذي يطلب العلم مهما علت درجته يتواضع له، وأختصر القول حتى إنهم ذكروا قصة عجيبة عن بعض العلماء تحكى عن الإمام الرازي--رحمه الله- أنه جلس أحد طلابه بين يديه، وكان إمامًا في فنون كثيرة ومع هذا ذكر مسألة من مسائل النحو فذكر فيها خلاصة فذكر له أحد طلبته - وكان مبرزًا في علم العربية - قال له: -