الصفحة 144 من 523

كلها ظاهرها وباطنها، وسرها وعلانيتها، وقليلها وكثيرها، وخاصها وعامها حتى عمم في شرور الخلق كما في الحديث الصحيح عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (( اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وشر كل دآبة أنت آخذٌ بناصيتها إنّ رب على صراط مستقيم ) )وأمر بالاستعاذة من أسباب الشرور والخسارة والهلاك فقال-صلوات الله وسلامه عليه- في الحديث الصحيح: (( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ) )، ومن أعاذه الله وعصمه وحماه من شرور نفسه فقد كفي الشر؛ لأن الشرور تأتي من السيئات كما أخبر- I- .

وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ) ): الرجيم فعيل من الرجم، والعرب تستعمل صيغة فعيل بمعنى مفعول فيقال: جريح بمعنى مجروح، وقتيل بمعنى مقتول، وقوله: (( رجيم ) )بمعنى مرجوم، قال بعض العلماء: إنّ الشيطان رجيم، والمراد بالرجم هنا: الطرد والإبعاد من رحمة الله- I- كما قال-تقدست أسماؤه-: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ @ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} فطرده الله من رحمته وأبعده من رضوانه وعفوه- I- فأصبح مرجومًا مدحورًا مبعدًا من رحمة الله، وقيل: رجيم بمعنى مرجوم من الرجم؛ لأن الشياطين ترجم عند استراقها للسمع.

وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( من همزه ونفخه ونفثه ) )همزات الشياطين، قيل: إنّ الهمز هو الجنون، ويدخل في هذا المعنى عند بعض العلماء-رحمهم الله- الصّرع؛ لأنّه يكون من همز الشيطان.

وقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( من همزه ونفخه ونفثه ) ): نفخ الشيطان هو الكبر، فالإنسان إذا أصابه الغرور بسبب وساوس الشيطان التي يقذفها في قلبه، فإنّه ينتفخ سحره-والعياذ بالله-، وحينئذٍ يعظمه الشيطان فينزله في غير منزلته، فإذا نفخه بمدحه وثناءه وإطرائه فقد أهلك نفسه-والعياذ بالله- ورفعة العبد في الدنيا والآخرة مقرونة بمعرفته لحقه وقدره أمام ربه- I- فإذا عظمت نعمة الله وتمت على عبده فإنّ الله يتممها بالتواضع والانكسار له- I- كما أخبر عن أنبيائه وصفوته من خلقه-صلوات الله وسلامه عليهم-. أنهم لما نزلت بهم النعم وأحاطت بهم المنن من الله- I- لم تزدهم إلاتواضعًا وانكسارًا لله- I- وذلة له- Y- كما أخبر-سبحانه- عن نبيه سليمان-عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، فلما رأى عرش بلقيس بين يديه قال: {هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر} ولما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت