الصفحة 157 من 523

أما المسألة الثانية: التي تتلخص مما سبق أن البسملة ليست بآية من السور التي في القرآن من غير الفاتحة فأما سورة براءة فبالإجماع لا يجوز للمسلم أن يستفتح بالبسملة؛ لأن العلماء-رحمهم الله- أجمعوا على أن براءة لا تستفتح بالبسملة كباقي السور، وقال بعض أئمة التفسير: إن سورة براءة نزلت بالسيف والقتال فهي سورة عظيمة أنزلها الله سوط عذاب على الكفار والمنافقين، ورفعت رخص الإسلام التي كانت في أول الشرائع خاصة في الزمان المكي من مسامحة المسلم وتوطئة كنفه أمام الكافر للظروف، ولكنها نزلت حمية للإسلام وغيرة على الدين، ولذلك اُستفتحت بالبراءة من الشرك والمشركين، وجاءت آياتها شديدة خاصة على الكفار والمنافقين، ولذلك كان أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - يسمونها السورة الفاضحة؛ لأن الله فضح فيها المنافقين، وكانت آياتها تتنزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - آية آية، وكلما تلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - منها آية خشي الصحابة منها، وخافوا خوفًا شديدًا، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:"لم يزل ينزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قوله-تعالى- ومنهم، ومنهم، حتى خشينا على أنفسنا أي خفنا أن نكون من المنافقين".

فهي سورة عظيمة اشتملت على السيف، ومسائل القتال، والبسملة رحمة وخير، ولذلك جعل المناسب لما يناسبه فأجمع العلماء-رحمهم الله- على أنها لا تستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم؛ وإنما تستفتح بالاستعاذة المعروفة وإذا قرأ القارئ آخر سورة الأنفال وأراد الشروع بها فإنه يسن له وذلك مما نص عليه في القراءة يشرع له السكوت ولا يصل آخر الأنفال بأول براءة للإشارة إلى الفصل، ويكون ذلك فاصلًا كما كانت البسملة فاصلة بين السور.

قال المصنف-رحمه الله-: بَاب مَا جَاءَ فِي افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".

قَالَ أَبو عِيسَى-رحمه الله-: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابَ قَبْلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت