فهرس الكتاب
فهناك ما يقارب عشرين حديثًا كلها واردة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - وأصحها وأقواها ما ذكرنا وفي حديثنا الذي ذكره المصنف عن هلب الطائي- t وأرضاه- وفيه:"أنه رأى النبي- صلى الله عليه وسلم - وهو يؤمهم واضعًا يده اليمنى على يده اليسرى"، فنظرًا لورود هذه الأحاديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم - من هديه الشريف قال جماهير السلف والخلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم-رحمهم الله برحمته الواسعة- أن السنة لمن وقف بين يدي الله في الصلاة أن يجعل اليمنى على اليسرى حال القيام.
وقال أصحاب القول الثاني: إن السنة أن يرسل يديه ولا يقبض اليدين، واختلفت واضطربت أقوالهم في الجواب عن هذه الأحاديث الصحيحة المسفرة المنيرة عن هذه السنة، فمنهم من يقول: إن أحاديث القبض منسوخة بأحاديث الإرسال، وذلك أنهم قالوا: إن الإمام مالكًا-رحمه الله- أدرك أهل المدينة لا يعملون بأحاديث القبض فقال: إن معنى ذلك أنه منسوخ.
ولا شك أن هذا القول ردٌ لسنة النبي- صلى الله عليه وسلم - وتكلف في عدم العمل بها وتكلف في إبطالها دون حجة بيّنة من الله ورسوله-صلوات الله وسلامه عليه-، وقولهم: إن الإمام مالكًا-رحمه الله- لا يقول بوضع اليمين على الشمال في الصلاة محل نظر، فإن من زعم بأن الإمام مالكًا-رحمه الله- لا يقول بوضع اليمين على الشمال حجته التي اعتمدها قوله في رواية ابن القاسم عبد الرحمن-رحمه الله برحمته الواسعة- حيث قال في المدونة: سألت مالكًا عن القبض فقال: لا أعرفه ولا بأس به في النفل وأكرهه في الفرض.
والذي يظهر أن هذه العبارة لا تدل على أن الإمام مالكًا-رحمه الله- ينفي وضع اليمين على الشمال؛ لأن هناك فرقًا بين وضع اليمين على الشمال وبين القبض فإن القبض أمر زائد على وضع اليمين على الشمال، والمراد بالقبض: أن تجعل الإبهام مقابلًا للوسطى، وهذا هو الذي ورد في الحديث بمعنى الأخذ، ومن هنا قال الإمام مالك-رحمه الله-: لا أعرفه؛ لأن الرواية التي رواها عن أبي العباس سهل بن سعد- t وأرضاه- صرح فيها هذا الصحابي الجليل بهذه السنة فقال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى فقال:"أن يضع"فالوضع شيء والأخذ باليد شيءٌ زائد وقد كان الإمام مالك-رحمه الله- شديد الورع دقيق الفهم للنصوص فوقف عند حديث النبي- صلى الله عليه وسلم - على ظاهره وبيّن أن الذي