فهرس الكتاب
على الصحيح فمن نزل في المدينة يومًا أو يومين، فهل يجوز له أن يجمع حال إقامته في المدينة؟ للعلماء في هذه المسألة وجهان:
فقال أصحاب القول القائل بالجواز: إن حديث بن عباس - الذي معنا - محمول على الجمع حال السفر أي: حال نزولك في المدينة مقيمًا بها دون إقامة توجب الإتمام، قالوا: والدليل على ذلك ما روى مسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي- صلى الله عليه وسلم - جمع بهذا الجمع في سفر تبوك. ففي غزوة تبوك أرسل النبي- صلى الله عليه وسلم - بعض العيون. وذلك أنه نزل بتبوك، وكانت تبوك في القديم ماءً ينزله المسافرون فنزل- صلى الله عليه وسلم - بتبوك ثم أرسل العيون تأتيه بالأخبار: هل خرج بنو الأصفر أو لم يخرجوا؟ فجلس ينتظر العيون، وكان حاله حال السفر فجمع- صلى الله عليه وسلم - بتبوك وحكمه حكم المقيم؛ لأنه على غير الَظْهر فلذلك جمع بين الصلاتين وكأنه في حكم المقيم، فعبر ابن عباس-رضي الله عنهما- عن هذا الجمع بأنه من غير خوف ولا مطر، وبإنه ومن غير خوف ولا سفر؛ لأن السفر الذي يشرع فيه الجمع والذي قال جماهير العلماء (القائلون بجواز الجمع في السفر) بجواز الجمع فيه إنما هو حال الركوب، وأما إذا نزل المسافر في المواضع فإن الأمر فيه أشد؛ لأن فيه شبهةً من المقيم فعبر ابن عباس-رضي الله عنهما- بهذا الجمع. وهذا القول قوي، ولذلك انتصر له بعض العلماء-رحمهم الله-، ولا يشكل على ذلك قوله: (ولا سفر) ؛ لأن المراد بالسفر أن يكون على ظهر السير، أما أن تجمع بين الصلاتين وأنت جالس في مدينتك التي سافرت إليها فهذا أشبه ما يكون من غير سفر ولا خوف ولا مطر.
الجواب الثالث وهو أقوى الأجوبة - إن شاء الله تعالى: أن المراد بالجمع بين الصلاتين في حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- الذي معنا أن المراد به: أنه أخر صلاة الظهر إلى قريب من وقت العصر فصلى الظهر، فلما سلم من صلاة الظهر دخل وقت العصر فأقام للعصر فصلاها، فهذا يسمى بـ (الجمع الصوري) ، ولذلك يقول العلماء: إنه جمع فعل لا جمع وقت. فهذا النوع من الجمع يسمى بجمع الفعل لا بجمع الوقت أي: أن صورته صورة جمع والواقع أن الصلاتين قد وقع كل منهما في وقته المعتبر. وهذا الجواب قد مال له طائفة من العلماء المحققين من فقهاء المذاهب الأربعة-رحمة الله على الجميع- واختاره الإمام الطحاوي وإمام الحرمين، وانتصر له الشوكاني-رحمة الله على الجميع-.