الصفحة 195 من 523

وتوضيح ذلك: أن ابن عباس-رضي الله عنهما- ثبت عنه في حديث النسائي: أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أخر الظهر وعجَّل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. فهذا الحديث في رواية النسائي حديث صريح صحيح يدل دلالة واضحة على مشروعية الجمع الصوري، وهذا الحديث يعتبره العلماء بمثابة المبين لمجمل حديث ابن عباس الذي معنا، والقاعدة في الأصول:"أنه إذا ورد حديثان أحدهما فيه نوع إجمال والآخر فيه بيان وتفسير، وقد وردا عن صحابي واحد فإن الأولى أن يحمل المجمل على المبين المفسر"فحديث ابن عباس - عند النسائي - قد فسر هذا الجمع، وقد بَيَّن ابن عباس-رضي الله عنهما- أن النبي- صلى الله عليه وسلم - جمع في الصورة لا في الحقيقة والحكم. ولذلك نقول: إن حديث ابن عباس - الذي معنا - محمول على ذلك الحديث الذي ذكرنا، والقاعدة في الأصول أيضًا:"أنه إذا كان الحديث مترددًا بين وجهين أو وجوه وهذه الوجوه بعضها مصادم لنصوص صحيحة صريحة وبعضها متفق مع غيرها، فيقدم المتفق على المعارض المخالف".

وتوضيح ذلك: أنه لو أخذنا بحديث ابن عباس على ظاهره فمعنى ذلك أن نصادم الأحاديث الأُخَرَ الصحيحة الصريحة، وأما إذا حملناه على الجمع الصوري فإنه لا تعارض حينئذ ويكون تشريعًا مستقلًا قد جاء ببيان حكم لأهل الأعذار، كرجل أصابه عذر أَوْجَب له أن يؤخر الصلاة كأن يكون في عذر يختص به في أهله أو نحو ذلك فيحتاج إلى أن يؤخر الظهر إلى قريب من وقت العصر فحينئذ يؤخر، وعلى هذا الوجه تستقيم الأحاديث التي وردت عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .

أما الدليل الثاني (على رجحان هذا الوجه) فإن أبا الشعثاء جابر بن زيد-رحمه الله- وصاحب ابن عباس والذي روى الحديث عن ابن عباس- رضي الله عنهما- لما سئل عن هذا الحديث وقد روى ذلك مسلم في صحيحه قيل له: لعله أراد أن يؤخر الظهر ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء ظن ذلك وأثبته، والقاعدة:"أن الراوي مقدم على غيره في تفسير معنى الرواية"فأصحاب بن عباس-رضي الله عنهما- أعلم بفقهه وروايته، ومن هنا تستقيم النصوص التي وردت عن النبي- صلى الله عليه وسلم - في المسألة، إضافة إلى أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قد أجاز هذا النوع من الجمع - كما في حديث المستحاضة -، وبناءًا على ذلك نقول: حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- نقبله ولا نرده، ونعمل به ولا نجحده؛ وذلك أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت