الصفحة 196 من 523

محمول على الجمع الصوري؛ لأن الرواية في سنن النسائي فسرت وبينت وأوضحت؛ ولذلك وجب العمل بهذه الرواية وتقديم هذا الوجه لما فيه من الجمع بين هذا الحديث وبين والأحاديث الأُخَر.

وإذا ثبت أن حديث ابن عباس-رضي الله عنهما- هذا محمول على الجمع الصوري فالسؤال: متى يشرع للمسلم أن يعمل بهذا النوع من الجمع؟

والجواب: أنه إذا وجدت الحاجة إلى تأخير صلاة الظهر وصلاة العصر، كأن يكون الإنسان في شغل أو يكون عنده عذر كإسعاف المريض أو نحو ذلك فإنه يجوز له أن يؤخر صلاة الظهر إلى قريب من صلاة العصر ثم يصلي صلاة الظهر ويدخل عليه وقت العصر فيصليها، وقد جاء في حديث ابن عباس - الذي معنا - لما قيل لابن عباس-رضي الله عنهما-: ماذا أراد رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: أراد أن لا يُحَرِّجَ أمته. وهذه الجملة لا تعارض الجمع الصوري؛ وذلك أن قوله: أراد أن لا يحرج أمته لا إشكال فيه.

وتوضيح ذلك: أن الناس كانوا يصلون الظهر فإذا صلوا الظهر رجعوا إلى منازلهم ثم أذن بلال بالصلاة فرجعوا مرةً ثانية إلى صلاة العصر ثم صلى بهم النبي- صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر وهكذا الحال في المغرب والعشاء، فإذا أخر صلاة الظهر إلى قريب من وقت العصر وأذن للظهر وانطلقوا للظهر وصلوها ثم دخل وقت العصر فصلاها- صلى الله عليه وسلم - فقد أسقط الحرج والتعب عنهم؛ لأنهم سيذهبون إلى بيوتهم ويعودون، فأسقط عنهم عناء الذهاب والرجوع، وهذا نوع من الحرج والمشقة، ولذلك أسقطه-صلوات الله وسلامه عليه- وقد بعثه الله رحمة مهداة ونعمة مسداة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} فهذه رحمة من الله وتيسير على عباد الله، فهذه الجملة لا تعارض ما ذكرنا من الجمع الصوري ومن تأمل ذلك في الجماعات وجده جليًا واضحًا؛ وذلك أنهم يتكلفون الذهاب والرجوع - خاصة في أزمنة الصيف والبرد إذا اشتد الشتاء والصيف فإنهم يتكلفون الذهاب والرجوع -، وأما في صلاة المغرب والعشاء فإن الأمر كان يكون أشق على أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لأنهم كانوا إذا أذن المغرب كانوا في غاية التعب والنصب حيث كانوا عمال أنفسهم - كما ثبت في حديث عائشة-رضي الله عنها وأرضاها- فلا يأتي وقت المغرب إلا وهم في غاية من الجهد والتعب والمشقة والنصب، فخفف عنهم بالجمع بين المغرب والعشاء بذهاب واحد ورجوع واحد - نسأل الله العظيم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت