الصفحة 198 من 523

أما الدليل على هذا التقسيم فقوله- I-: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله وعد بتكفير السيئات باجتناب الكبائر الموبقات، فدل على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، وقد ثبت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث أبي بكرة (نفيع بن الحارث) - t وأرضاه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) )قلنا: بلى - يا رسول الله - قال: (( الشرك بالله، وعقوق الوالدين ) )، وكان متكئًا فجلس، ثم قال: (( ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور ) )فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت!، فدل هذا الحديث على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، وأن الكبائر تنقسم إلى قسمين: أكبر الكبائر، وكبائر، ومن هنا قال - جمهور السلف والخلف-رحمهم الله- من أهل السنة والجماعة: بإنقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. وخالف في ذلك بعض العلماء-رحمهم الله-.

وإذا ثبت أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر فالسؤال: ما هو الفرق بين الصغائر والكبائر؟

اختلفت عبارات العلماء بين التفريق بين الصغائر والكبائر:

فقال بعض العلماء: الكبيرة كل ما وردت عليه عقوبة أو حد في الدنيا، فيشمل ذلك شرب المسكرات والزنا والقذف ونحو ذلك من الذنوب التي وعد الله عليها بالعقوبة والحدود في الدنيا. وهذا القول مرجوح؛ وذلك لأن هناك كبائر التي لم يرد فيها عقوبة وحد في الدنيا.

وقال بعض العلماء: إن الكبائر كل ذنب وردت عليه عقوبة في الدنيا أو الآخرة، فيشمل ذلك الحدود في الدنيا كالسرقات والقتل ونحوهما، وكذلك يشمل عقوبة الآخرة كأكل مال اليتيم كما قال- I-: { إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} قالوا: فهذه عقوبة في الآخرة، فيعتبر أكل مال اليتيم من الكبائر من هذا الوجه.

وقال طائفة من العلماء: إن الكبيرة كل شيء سماه الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم - كبيرة، أو ورد عليه الوعيد بحد، أو عقوبة، أو غضب، أو لعن أو نحو ذلك كنفي الإيمان. وهذا القول مأثور عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس- t وعن أبيه- وكذلك قال به جمع من أئمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت