واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحيُ شهرًا في شأنها، ولا يُوحى إليه في ذلك شيء لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها وقضَاهَا، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصادِقُونَ إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق، وحُسْنِ الظنِّ باللهِ ورسولهِ، وأهل بيتهِ، والصِّدِّقينَ مِن عباده، ويزدادَ المنافقون إفكًا ونفاقًا، ويُظهِرَ لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبوديةُ المرادة مِن الصِّدِّيقةِ وأبويها، وتتمَ نعمةُ اللهِ عليهم، ولتشتد الفاقةُ والرغبةُ منها ومِن أبويها، والافتقارُ إلى اللهِ والذلُّ له، وحُسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ مِن حصول النُّصرةِ والفرح على يد أحد من الخلق، ولهذا وفّت هذا المقَام حقَّه، لما قال لها أبوها، قُومي إليه، وقد أنزلَ اللهُ عليه براءتَها، فقالت: واللهِ لا أَقومُ إليهِ، ولا أَحْمَدُ إلا اللهَ، وهُو الذي أَنزَلَ براءَتِي.
وأيضًا فكان من حكمهِ حَبْسِ الوحي شهرًا، أن القضية مًحِّصَتْ وتمحَّضتْ، واستشرفت قلوبُ المؤمنين أعظمَ استشرافٍ إلى ما يُوحيه اللهُ إلى رسوله فيها، وتطلَّعت إلى ذلك غايةَ التطلُّع، فوافى الوحيُ أحوجَ ما كان إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأهلُ بيته، والصِّدِّيقُ وأهلُه، وأصحابه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيثِ على الأرضِ أحوجَ ما كانت إليه، فوقع منهم أعظمَ موقع وألطَفَه، وسرُّوا به أتمَّ السُّرورِ، وحصل لهم به غايةُ الهناء، فلو أطلع اللهُ رسولَه على حقيقة الحالِ مِن أوَّلِ وَهلة، وأنزل الوحيَ على الفور بذلك، لفاتت هذه الحِكمُ وأضعافُها بل أضعافُ أضعافها.
وأيضًا فإن الله سبحانه أحبَّ أن يُظْهِرَ منزلَةَ رسوله وأهلِ بيته عنده، وكرامتهم عليه.