، فقال لها أبواها: قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله . علم معرفتها ، وقوة إيمانها ، وتوليتها النعمة لربها ، وإفراده بالحمد في ذلك المقام ، وتجريدها التوحيد ، وقوة جأشها ، وإدلالها ببراءة ساحتها ، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح ، الطالب له وثقتها بمحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها قالت ما قالت ، إدلالا للحبيب على حبيبة ، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال ، فوضعته موضعه ، ولله ما كان أحبها إليه حين قالت: لا أحمد إلا الله ، فإنه هو الذي أنزل براءتي ، ولله ذلك الثباتُ والرزانة منها ، وهو أحب شيء إليها ، ولا صبر لها عنه ، وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا ثم صادفت الرضى منه والإقبال ، فلم تبادر إلى القيام إليه ، والسرور برضاه ، وقربه مع شدة محبتها له ، وهذا غاية الثبات والقوة .اهـ . (1)
توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولعائشة ثمانية عشر عامًا، وعاشت بعده قريبًا من خمسين سنة، فأكثر الناس الأخذ عنها ، ونقلوا عنها من الأحكام والآداب شيئًا كثيرًا حتى قيل أن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها ، فعن أبي موسى الأشعري قال:"ما أشكل علينا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث قط،فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا". (2)
وقال موسى بن طلحة:"ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة". (3)
وفاتها:
توفيت رضي الله عنها في خلافة معاوية - رضي الله عنهم - ، ليلة الثلاثاء ، السابع عشر من رمضان ، سنة ثمان وخمسين من الهجرة ، وهي ابنة ست وستين سنة ، ودفنت بالبقيع من ليلتها بعد صلاة الوتر .
(1) انظر زاد المعاد للإمام ابن قيم الجوزية .
(2) صحيح سنن الترمذي برقم (3044) .
(3) صحيح سنن الترمذي برقم (3045) .