في حدود أربعمائة هجرية دخل محمود بن سبكتكين الغزنوي بلاد الهند، فافتتح مدنا كبارا، وأخذ أموالا جزيلة، وأسر بعض ملوكهم وهو ملك كراتشي، وتواقع هو وملك الهند، فاقتتل الناس قتالا عظيما، ثم انجلت عن هزيمة عظيمة على الهند، وأخذ المسلمون يقتلون فيهم كيف شاؤا، وأخذوا منهم أموالا عظيمة من الجواهر والذهب والفضة، و دخل مدينة فيها ألف قصر مشيد، وألف بيت للأصنام، وفيها من الأصنام شيء كثير، ومبلغ ما على الصنم من الذهب ما يقارب مائة ألف دينار، ومبلغ الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم، و كسر الصنم الأعظم الذي لهم المسمى بسومنات وقد كانوا يفدون إليه من كل فج عميق، كما يفد الناس إلى الكعبة البيت الحرام وأعظم، وينفقون عنده الفقات والأموال الكثيرة التي لا توصف ولا تعد، وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية ومدينة مشهورة، وقد امتلأت خزائنه أموالا، وعنده ألف رجل يخدمونه، وثلثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه، وثلثمائة رجل يغنون ويرقصون على بابه لما يضرب على بابه الطبول والبوقات، وكان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من أوقافه، وقد كان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصنم، وكان يعوقه طول المفاوز وكثرة الموانع والآفات، ثم استخار الله السلطان محمود لما بلغه خبر هذا الصنم وعبَّاده وكثرة الهنود في طريقه والمفاوز المهلكة والأرض الخطرة في تجشم ذلك في جيشه وأن يقطع تلك الأهوال إليه، فندب جيشه لذلك فانتدب معه ثلاثون ألفا من المقاتلة ممن اختارهم لذلك سوى المتطوعة، فسلمهم الله حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن، ونزلوا بساحة عباده فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة، فما كان بأسرع من أن ملكوه، وقلعوا هذا الوثن وأوقدوا تحته النار، وقد ذكر غير واحد أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم، فأشار من أشار من الأمراء على السلطان محمود بأخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم، فقال: حتى أستخير الله عز وجل فلما أصبح قال: (( إني فكرت في الأمر الذي ذكر، فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة أين محمود الذي كسر الصنم، أحب إلى من أن يقال الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا ) )، ثم عزم فكسره رحمه الله، فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلئ والذهب والجواهر. وقد عمموا المدينة بالإحراق فلم يتركوا منها إلا الرسوم وبلغ عدد القتلى من الهنود خمسين ألفا، وأسلم منهم نحو من عشرين ألفا، وأُفرد خمس الرقيق فبلغ ثلاثا وخمسين ألفا، واعترض من الأفيال ثلثمائة وست وخمسين فيلا، وحصل من الأموال عشرون ألف ألف درهم، ومن الذهب شيء كثير.
موقفه من الباطنية:
وقد أحل بطائفة من أهل الري من الباطنية والروافض قتلا ذريعا وصلبا شنيعا، و انتهب أموال رئيسهم رستم ابن علي الديلمي، فحصل منها ما يقارب ألف ألف دينار، وقد كان في حيازته نحو من خمسين امرأة حرة، وقد ولدن له ثلاثا وثلاثين ولدا بين ذكر وأنثى، وكانوا يرون إباحة ذلك.
وامتثل رحمه الله أمر أمير المؤمنين واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والاسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم، وصار ذلك سنة في الإسلام.
وكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة القادر بالله، وكانت رسل الفاطميين من مصر تفد إليه بالكتب والهدايا لأجل أن يكون من جهتهم، فيحرق بهم ويحرق كتبهم وهداياهم.
وفاته رحمه الله:
مرض رحمه الله نحوا من سنتين لم يضطجع فيهما على فراش ولا توسد وسادا، بل كان يتكئ جالسا حتى مات وهو كذلك، وذلك لشهامته وصرامته وقوة عزمه وله من العمر ستون سنة رحمه الله )) .