لحوم البقر ... أم جنون البشر؟
بينما كنت أتابع التعليق على الأخبار من إحدى الإذاعات العربية ذكرت الإذاعة خبرا عن انتشار جنون البقر في أوربا، ونظرا لأن الجو كان ثلجيا في كابل فقد كانت الإذاعة متقطعة تضيع من بين ثنايا صوت المذيع المتهدج بعض الكلمات، لتتحول النشرة إلى كلمات متقاطعة تحل رموزها من خلال التحليل والاستنتاج، فكان من بين الكلمات التي سمعتها كلمة (( لحوم ) )وكلمة (( بقر ) )وكلمة (( بشر ) )وكلمة (( العلماء ) )، ولكن أحد أصحابنا سمع من كل هذا الكلام عبارة (( لحوم العلماء ) )فصاح رافعا اللحاف عن وجهه: لحوم العلماء؟ فأجبته إجابة محسن الظن بالإذاعة: لعل الكلام عن أقوال العلماء في لحوم البقر المصاب بالجنون وأثر ذلك على العوام من البشر.
لكني عدت إلى نفسي وتساءلت لعل فهمه هو الصحيح! فمتى كانت الأبقار عاقلة حتى تتهم اليوم بفقدان العقل أليس هذا سؤالا يستحق الوقوف عنده؟
نعم لقد سمعنا عن رجل يدخل المسجد الأقصى يقوم بإحراقه ثم يقول عنه اليهود إنه مصاب بالجنون - جنون البشر - لأن الأصل فيه العقل، وآخر يدخل المسجد ويطلق النار على المصلين في الخليل ويقال إنه مصاب بالجنون، هذه تهمة معقولة نوعا ما، ولكن ما ذنب تلك البقرة المسكينة حتى تتهم بالجنون وهي التي لم تدع يوما من الأيام أنها عاقلة.
ولو عدنا لنظرية المؤامرة .. فما مصلحة العلماء في هذه التهم التي يكيلونها يمنة ويسرة ليلًا ونهارًا حتى طالت تهمهم البقر؟ هل هي صرف الناس عن الموائد العامرة باللحوم المستوردة من بريطانيا للأمراء وفقهائهم لتكون اللحوم خالصة لهم من دون الناس؟ إذا كان الأمر كذلك فإن الفهم الذي خرج به صاحبنا من نشرة الأخبار قد يكون صحيحا لأن لحوم هؤلاء العلماء قد تحمل في طياتها جنونا من تلك الموائد.
ولكن ماذا لو أتاني غدا أخ (( ثقة ) )ضعيف الحفظ قائلا: لقد سمعت بالأمس الإذاعة الفلانية - قبحها الله - وهي تتحدث عن (( جنون العلماء ) ).
يا الله ... ما أتعس تلك الإذاعة .. فقد أوقعت نفسها في قيل وقال ومتاهات لا يعلم بها إلا الله.
وعندها ستضطر لقطع إرسالها وإصدار بيان شديد اللهجة تعلن فيه فصل ذلك المذيع (( المارق ) )وبراءتها منه ومن أقواله إلى يوم القيامة، وإلا فإنها ستصنف في زمرة من يتحدثون في العلماء .. وهيهات هيهات أن يسمع لها أحد بعد ذلك شيئا إلا من رحم ربي.
على كل حال نعود إلى ما لا خلاف عليه وهو أن هذه الإذاعة يجب أن تحسِّن إرسالها وتبين مقاصدها وحتى يتم ذلك فإننا يجب أن نحسِّن استقبالنا .. ونفتح آذاننا لنفهم الفهم الصحيح وننقل بالتصريح لا بالتلميح، فشتان ما بين لحوم البقر .. وجنون البشر.
ولن يهمنا بإذن الله جنون البقر لأننا في أفغانستان .. والأمور هنا كلها تسير بالبركة إن شاء الله.
حذيفة المدني