قراءة وتعليق على فتوى
الشيخ المحدث أحمد شاكر (رحمه الله)
بشأن
(حل دماء وأموال المحتلين الصائلين على المسلمين مدنيين وعسكريين في بلادنا وبلادهم وكل مكان)
العلامة الشيخ أحمد شاكر، علم من أعلام العلم والصدع بالحق في هذا الزمان. ولد رحمه الله عام 1892م وتوفي سنة 1958 م. وكان بشهادة علماء العصر إمام أهل الحديث في زمانه، وتشهد مؤلفاته العلمية القيمة بهذه المكانة، حيث كان مما ألف وأخرج وحقق: رسالة الإمام الشافعي وفهرستها * تحقيق قسم كبير من مسند الإمام أحمد * تحقيق جزأين من سنن الترمذي * وجزءا من صحيح ابن حبان * تهذيب قسم كبير من تفسير ابن كثير * تحقيق أجزاء من المحلى وله كتب أخرى في الأدب والشعر والمقالات الصحفية.
والمهم في حياة عالمنا الجليل أنه عاش واقع أمته، وشارك في معترك السياسة والدعوة التي كانت مزدهرة في الأربعينات والخمسينات في مصر، كما تولى القضاء الشرعي مدة وشهد شهادة حية على واقع التشريع الأوربي الذي غزا أنظمة الحكم في العالم الإسلامي.
وقد رئس مجلة الهدي النبوي فترة من الزمن وكتب فيها مقالات جيدة جمعت في كتاب (كلمة الحق) ومنها اخترنا هذه المقالة والتي تعد فتوى من أهم الفتاوى في هذا الزمان الذي صمتت فيه أكثر ألسنة الحق أو كادت .. وننقل نص المقالة الفتوى بحذافيرها لأهميتها ونتبعها بتعليق يؤكد فائدتها وصلاحيتها في معركة الأمة المصيرية اليوم مع صائل النظام العالمي الجديد الذي تتزعمه أمريكا وإسرائيل وأوربا الغربية وروسيا. وقد كانت مقالته بعنوان:
بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمم العربية والإسلامية عامة
(( أما وقد استبان الأمر بيننا وبين أعدائنا من الإنكليز وأحلافهم، استبان لأبناء الأعداء منا، الذين ارتضعوا لبانهم، ولعبيد الأعداء منا، الذين أسلموا إليهم عقولهم ومقادهم. ولم نكن نحن الذين نشأنا على الفطرة الإسلامية الصحيحة في شك من توقع ما كان، ومن توقع أشد منه مما سيكون! أما وقد استبان الأمر، أما وقد أعلنت الأمة المصرية كلها رأيها وإرادتها، أما وقد أعلن الأزهر رأيه الصحيح في معاملة الأعداء ونصرته:
فإن الواجب أن يعرف المسلمون القواعد الصحيحة في شرعة الله، في أحكام القتال وما يتعلق به، معرفة واضحة يستطيع معها كل واحد تقريبا أن يفرق بين العدو وغير العدو، وأن يعرف ما يجوز له في القتال وما لا يجوز، وما يجب عليه ما يحرم، حتى يكون عمل المسلم في الجهاد عملا صحيحا سليما خالصا لوجه الله وحده إن انتصر مسلما، له أجر المجاهد في الدنيا والآخرة، وإن قتل قتل شهيدا.
إن الإنجليز أعلنوها على المسلمين في مصر حربا سافرة غادرة، حرب عدوان واستعلاء، وأعلنوها على المسلمين في السودان حربا مقنعة مغلفة بغلاف المصلحة للسودان وأهله، مزوقة بحلية الحكم الذاتي الذي خدع به المصريون من قبل. وقد رأينا مايصنع الإنجليز في منطقة قناة السويس وما يقاربها من البلاد، من قتل المدنيين الآمنين والغدر بالنساء والأطفال، والعدوان على رجال الأمن ورجال القضاء، حتى لا يكاد ينجو من عدوانهم صغير أو كبير.
فأعلنوا بذلك عدائهم صريحا واضحا لا لبس فيه ولا مجاملة ولا مداورة.
حكم قتل الصائلين الكفرة [1] :
فصارت بذلك دماؤهم وأموالهم حلالا للمسلمين. يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقتلهم حيثما وجدوا - مدنيين كانوا أو عسكريين - فكلهم عدو وكلهم محارب مقاتل. وقد استمرؤوا العدوان حتى إن نساءهم وفتيانهم ليطلقون النار من النوافذ والشرفات، في الإسماعيلية والسويس وبور سعيد على المارين المسالمين دون خجل أو حياء. وهم قوم جبناء، يفرون حيث يجدون القوي المناضل، ويستأسدون حيث يجدون الرخو المستضعف. فلا يجوز لمسلم أن يستضعف أمامهم أو يريهم جانب اللين والعفو. {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} وقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء في الحرب. وهو نهي معلل بعلة واضحة صريحة: أنهن غير مقاتلات. فقد مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته على امرأة مقتولة، فقال: (ما كانت هذه لتقاتل) ثم نهى عن قتل النساء. أما الآن، ونساؤهم مجندات، يحاربن مع الرجال جنبا إلى جنب، وغير المجندات منهن مسترجلات، يطلقن النار على المسلمين دون زاجر أو رادع فإن قتلهن حلال، بل واجب، للدفاع عن الدين والنفس والبلد. إلا أن تكون امرأة ضعيفة لا تستطيع شيئا. وكذلك الحال مع الصبيان دون البلوغ، والشيوخ الهالكين الضعفاء: من قاتل منهم أو اعتدى قتل ومن لم يفعل فلا يعرضن أحد له بسوء إلا أن يؤخذوا هم والنساء أسرى، وسنذكر حكم الأسرى إن شاء الله.
وقد قلنا (يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقتلهم حيثما وجدوا مدنيين أو عسكريين) ، ونحن نقصد إلى كل حرف من معنى هذه الجملة. فأينما كان المسلم، ومن أي جنس كان من الأجناس والأمم، وجب عليه ما يجب علينا في مصر والسودان. حتى المسلمين من الإنجليز في بلادهم - إن كانوا مسلمين حقا - يجب عليهم ما يجب على المسلمين من غيرهم مااستطاعوا. فإن لم يستطيعوا وجبت عليهم الهجرة من بلاد الأعداء، أو من البلاد التي لا يستطيعون فيها حرب العدو بما أمرهم الله.
فإن الإسلام جنسية واحدة - بتعبير هذا العصر - وهو يلغي الفوارق الجنسية والقومية بين متبعية، كما قال تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} ، المؤمنون الآية 52.
والأدلة على ذلك متواترة متضافرة، وهو شيئ معلوم من الدين بالضرورة، لا يشك فيه أحد من المسلمين، بل إن الإفرنج ليعرفون هذا معرفة اليقين. ولم يتشكك فيه إلا الذين رباهم الإفرنج واصطنعوهم لأنفسهم حربا على دينهم وعلى أمتهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون. {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} النساء الآية 97 - 98.
حكم الهجرة على من لا يستطيع الجهاد وهو مستضعف:
(1) العناوين الجانبية ليست من أصل نصه رحمه الله.