فلم يستثن الله من وجوب الهجرة على كل مسلم في بلاد أعداء الله إلا الضعفاء ضعفا حقيقيا، لا يعرفون ما يصنعون، ولا يملكون من أمر أنفسهم شيئا. لم يقبل الله عذرا من أحد بمال ولا ولد، ولا مصالح ولا علاقات. {قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} التوبة الآية 24.
فسدّ الله جميع الأعذار والتعلات التي ينتحلها المترددون المتخاذلون، ثم رفضها كلها، لم يقبل منها عذرا ولا تعلة فليسمع هذا وليضعه نصب عينية كل مسلم في مصر والسودان، والهند والباكستان، وكل بلد يحكمه الإنجليز الأعداء أو يدخل في نطاق نفوذهم، من سائر أقطار الأرض، ومن أي جنس أو لون كانوا.
أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر، فهو الردة الجامحة، والكفر الصراح. لا يقبل فيه اعتذار، ولا ينفع معه تأول، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق. سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء. كلهم في الكفر والردة سواء. إلا من جهل أو أخطأ ثم استدرك أمره وتاب واتخذ سبيل المؤمنين؛ فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم إن أخلصوا من قلوبهم لله لا للسياسة ولا للناس.
وأظنني قد استطعت الإبانة عن حكم قتال الإنجليز وعن حكم التعاون معهم بأي لون من ألوان التعاون أو المعاملة، حتى يستطيع أن يفقه كل مسلم يقرأ العربية، من أي طبقات الناس كان، وفي أي بقعة من الأرض يكون.
حكم من كان في مثل الإنجليز من العدوان كالأمريكان والروس والفرنسيين وسائر الناتو اليوم:
وأظن كل قارئ لا يشك الآن، في أنه من البديهي الذي لا يحتاج إلى بيان أو دليل: أن شأن الفرنسيين في هذا المعنى شأن الإنجليز، بالنسبة لكل مسلم على وجه الأرض. فإن عداء الفرنسيين للمسلمين، وعصبيتهم الجامحة في العمل على محو الإسلام، وعلى حرب الإسلام أضعاف عصبية الإنجليز وعدائهم بل هم حمقى في العصبية والعداء وهم يقاتلون إخواننا المسلمين في كل بلد إسلامي لهم فيه حكم أو نفوذ، ويرتكبون من الجرائم والفظائع ما تصغر معه جرائم الإنجليز ووحشيتهم وتتضاءل. فهم والإنجليز في الحكم سواء: دماؤهم وأموالهم حلال في كل مكان، ولا يجوز لمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يتعاون معهم بأي نوع من أنواع التعاون وإن التعاون
معهم حكمه حكم التعاون مع الإنجليز: الردة والخروج من الإسلام جملة أيا كان لون المتعاون معهم أو نوعه أو جنسه.
وما كنت يوما بالأحمق ولا بالغر، فأظن أن الحكومات في البلاد الإسلامية ستستجيب لحكم الإسلام، فتقطع العلاقات السياسية والثقافية مع الإنجليز والفرنسيين.
ولكني أريد أن أبصر المسلمين بمواقع أقدامهم، وبما أمرهم الله به، وبما أعد لهم من ذل في الدنيا وعذاب في الآخرة، إذا أعطوا مقاد أنفسهم وعقولهم لأعداء الله.
وأريد أن أعرفهم حكم الله في هذا التعاون مع أعدائهم، الذين استذلوهم وحاربوهم في دينهم وفي بلادهم، وأريد أن أعرفهم عواقب هذه الردة التي يتمرغ في حمأتها كل من أصر على التعاون مع الأعداء.
تفاصيل أحكام المتعاونين مع العدو الكافر:
ألا فليعلم كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أنه إذا تعاون مع أعداء الإسلام مستعبدي المسلمين، من الإنجليز والفرنسيين وأحلافهم وأشباههم، بأي نوع من أنواع التعاون، أو سالمهم فلم يحاربهم بما استطاع، فضلا عن أن ينصرهم بالقول أو العمل على إخوانهم في الدين، إن فعل شيئا من ذلك ثم صلى فصلاته باطلة أو تطهر بوضوء أو غسل أو تيمم فطهوره باطل، أو صام فرضا أو نفلا فصومه باطل، أو حج فحجه باطل، أو أدى الزكاة المفروضة أو أخرج صدقة تطوعا، فزكاته باطلة مردودة عليه أو تعبد لربه بأي عبادة فعبادته باطلة مردودة عليه، ليس له في شيء من ذلك أجر، بل عليه في الإثم والوزر.
ألا فليعلم كل مسلم أنه إذا ركب هذا المركب الدنيء فقد حبط عمله، من كل عبادة تعبد بها لربه قبل أن يرتكس في حمأة هذه الردة التي رضي لنفسه ومعاذ الله أن يرضى بها مسلم حقيق بهذا الوصف العظيم، يؤمن بالله وبرسوله.
ذلك بأن الإيمان شرط في صحة كل عبادة. وفي قبولها كما هو بديهي معلوم من الدين بالضرورة لا يخالف فيه أحد من المسلمين، وذلك بأن الله سبحانه يقول: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} المائدة الآية5.
وذلك بأن الله سبحانه يقول: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا * ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} البقرة الآية 217، وذلك بأن الله تعالى يقول: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيه يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} سورة المائدة الآية 51 - 53.