الصفحة 110 من 266

... لقد كان الخلاف والتنافس شديدا بين هذين المصرين ، ولكنا لا نسلم أنه كان على الصورة التي يرويها ابن الأنباري في كتابه الإنصاف ، فقد كان الخلاف محتدما من عدة وجوه ، فمن الناحية الحزبية ، كانت الكوفة علوية ، والبصرة عثمانية ، ومن الناحية العنصرية فأكثر أهل الكوفة من اليمانية ، وأكثر أهل البصرة من المضرية ، ومن الناحية العلمية فأهل الكوفة أصحاب فقه وحديث وقراءة ، وأهل البصرة أصحاب علوم وفلسفات [1] 0

ـ 109 ـ

... لقد شغف القوم بالخلاف ، وثوران المراء فيما بينهم ، فيما جل من العلم ، وما دق ولذا قال فيهم يزيد بن الحكم الثقفي على سبيل التندر:

... ... إذا اجتمعوا على ألف وواو ... ... وياء ثار بينهم جدال

... لقد بدأ الخلاف هادئا بين الرؤاسي في الكوفة ، والخليل في البصرة ، ثم اشتد بين الكسائي وسيبويه ، وصار لكل مدرسة عَلَم تنحاز إليه ، وقد بقيت لنا من القرن الرابع الهجري أبيات للقاضي الخليل بن أحمد الشجزي في مدح أبي حنيفة ، تدل على احتدام النزاع بين المدرستين في ذلك العهد ، حيث يقول [2] :

... وأجعل في النحو الكسائي عمدتي ... ومن بعده الفراء ما عشت سرمدا

... وإن عدت للحج المبارك مرة ... جعلت لنفسي كوفة الجند مشهدا

... فهذا اعتقادي وهو ديني ومذهبي ... ومن شاء فليبرز ليلقى موحدا

... لقد استمر الجدال بين المدرستين في خدمة العلم إلى أواخر القرن الثالث الهجري ، فكان لكل مدرسة شخصيتها ، ومميزاتها ، وأعلامها ، إلى أن اختلطتا وامتزجتا في مدرسة بغداد ، فأخذت الفروق تضمحل ، وأخذ علماء النحو يدرسون مسائل الخلاف على أنها مسائل تاريخية [3] 0

(1) مدرسة الكوفة ، ص 65 ـ 66

(2) بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي 2/196

(3) ضحى الإسلام 2/312

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت