الصفحة 111 من 266

... وهكذا استوفى علماء المصرين موضوع النحو ، ولم يتركوا لمن جاء بعدهم ، ولا سيما في بغداد إلاّ الشرح والتلخيص ، أو التوفيق بين الآراء ، والجمع بينها ، من غير ترجيح أو مفاضلة [1] 0

... لقد كان الخلاف بين المدرستين في تفسير الظواهر اللغوية ، أمّا في أيامنا هذه ، فقد بسط المنهج البصري نفوذه على النحو العربي ، بل رأينا تعصب عدد من الدارسين المعاصرين له ، غير أن الذي لا شك فيه أن النحو الكوفي لم يلق حتى الآن ما يستحقه من عناية الدارسين ، على الرغم من أن كثيرا مما ذهب إليه الكوفيون أقرب إلى واقع اللغة مما ذهب إليه البصريون 0

لقد كانت السمة الغالبة على النحويين الكوفيين أنهم درسوا المادة اللغوية على أساس وصفي ، أي بطريقة تقريرية ، تبتعد عن التعليل الفلسفي ، وكلمة الكسائي

ـ 110 ـ

( أيٌّ هكذا خلقت ) خير دليل على ذلك ، وهكذا خلقت جوهر المنهج الوصفي ، الذي يعتبر الأساس في الدرس النحوي ، غير أن المذهب البصري بقياسه التعميمي فيه إجحاف شديد بكلام الفئات القليلة من العرب الفصحاء ، وفيه إهدار لكلام كثير من القبائل المخالفة لحكم القياس على الأفشى ، والأكثر في كلام العرب ، ولذا أكثر ابن أبي إسحاق ، وتلميذه عيسى بن عمر الثقفي من الطعن على العرب ، وتخطيئهم ، من أمثال الفرزدق والنابغة في أشعارها [2] 0

ـ 111 ـ

الفصل الثاني ـ السماع والقياس:

أ ـ السماع:

... يقصد بالسماع الأخذ عن الأعراب الفصحاء ، وقضاء الأزمنة الطويلة في النقل عنهم ؛ لتسجيل نثرهم وشعرهم ، ومتابعتهم في الحياة اليومية ، وشؤونهم المعيشية ، وهذا السماع كان مبتغى الرواة ، ومقصد النحاة الأوائل ، حيث كانت الرحلة إلى البادية أمرا مألوفا ، ومشافهة الأعراب الطريق الطبيعي للإلمام باللغة ، والوقوف على أسرارها 0

(1) حنا الفاخوري ، تاريخ الأدب العربي ، ص 764

(2) كحالة ، اللغة العربية وعلومها ، ص 116 ـ 117

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت