الصفحة 117 من 266

... إن النحو يكون في كثير من الأحيان في صراع مع الحس الطبيعي ، ففي الأقطار التي يطغى فيها أثر النحاة ، لا تستسلم اللغة لفعل القياس إلاّ بصعوبة [1] ، والواقع أن القياس الذي مهر فيه الخليل ، هو الذي أوجد النحو ، ووسع اللغة ، فالقياس هو الذي اخترع منه النحاة كليات القواعد ، بيد أن النحاة بقياسهم أهدروا كثيرا من الاستعمالات التي كان ينطق بها العرب في نظير وضع هذه القواعد الكلية ، وبالغوا في احترامها ، وسمّوا كل ما شذّ عن قواعدهم هم شذوذا 0

... إننا لا ننكر أن كل لغة في الدنيا بحاجة إلى القياس ، كحاجتها إلى القوة المعبرة فيها ، غير أن هناك صيغا تثبت أمام القياس ، ومن أجل ذلك تسمى بالشاذة ، ويحتوي نحو كل لغة من اللغات على قدر يزيد أو ينقص من الأسماء والأفعال الشاذة ، وتسمى هذه الصيغ بالصيغ القوية ، في مقابلة الصيغ الضعيفة أو العليلة ، التي تستسلم للتنظيم ، الذي يفرضه القياس ، وهذه الصيغ القوية تبقى خارج إطار القاعدة ، وأغلب الظن أن اللغة تقضي على بعض هذه الصيغ شيئا فشيئا ؛ لتردها إلى القاعدة ، وقد يكون من نتيجة القياس في بعض الأحيان التقليل من عدد الصيغ الشاذة ، أي إضعاف النوع القوي ، ولكن ذلك ليس قاعدة مطردة [2] 0

ـ 116 ـ

... لقد قاس النحاة وأجهدوا أنفسهم في القياس ، ولكن قياسهم يؤخذ عليه أنه كان مسرحا لكثير من الألاعيب الذهنية ، والصنعة التعليمية ، كما كان مجالا لإظهار علل عجيبة وبخاصة ما يطلقون عليه اسم العلل الثواني والثوالث ، ويبدو أن هذا ما دفع ابن فارس إلى القول [3] : إنه ليس لنا أن نخترع ، ولا نقول غير ما قاله العرب ، ولا نقيس قياسا لم يقيسوه ويرى أن في ذلك فساد اللغة ، وبطلان حقائقها ، ونكتة الباب عند ابن فارس أن اللغة لا تؤخذ قياسا ، نقيسه نحن الآن 0

(1) اللغة ، ص 207

(2) اللغة ، ص 208 ، وانظر: المدخل إلى دراسة النحو العربي على ضوء اللغات السامية ، ص 82 ـ 83

(3) الصاحبي ، ص 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت