فهرس الكتاب
... ومن تعليلاته الدقيقة تجويز القول: عندي عشرون درهما جيادًا وجيادٌ ، ورفضه القول: عندي عشرون رجلا صالحون ؛ لأن جيادًا لفظها لفظ جمع ، ولكن وزنها وزن المفرد ، فهي على زنة كتاب ، ولهذا أجاز أن تأتي منصوبة ، صفة لدرهم ، وهو مفرد لفظا ، أمّا صالحون فلفظها لفظ الجمع ، وليست على وزن المفرد ، ولذلك لا يجوز أن تكون صفة لرجل المفرد في اللفظ [1] 0
ـ 131 ـ
... إنّ هذه الأمثلة وغيرها كثير تدل على أن الفراء لا يقل عن سيبويه والخليل عناية بالعلة النحوية [2] ، على أننا رغم كل ما سبق لا نستطيع أن نضع الفراء في صف البصريين المتأخرين ، أمثال أبي علي الفارسي ، وابن جني ، والرماني ، وأبي بركات الأنباري ، فهو لا يفعل مثلهم ، فيربط بين ظواهر الحياة الحسية وظواهر اللغة ، بل لا نستطيع البتة أن نضعه في صفّ الخليل وسيبويه في كل دراساته ، فقد اعتمد السماع كما ذكرنا ، ووسع دائرة الاحتجاج المكانية في جزيرة العرب ، وعليه يكون الفراء قد جمع بين المعيارية والوصفية ، جاءته الأولى من صحبته لكتاب سيبويه ، وجاءته الثانية من تأثره بأساتذته الكوفيين أمثال الرؤاسي والهراء والكسائي ، ولكننا إذا قرناه إلى هؤلاء وجدناه معياريا ، وإذا وضعناه بجانب البصريين المتأخرين وجدناه إلى الوصفية أقرب ، فهو يشبه سيبويه والخليل في المعيارية أحيانا ، ولكنه لا يساويهما في دراساته كلها 0
(1) شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات ، ص 306
(2) الخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين ، ص 326